في هذا العدد

العدد (24) ربيع 2026

مثّل العمل على إخراج هذا العدد إلى النور تحدّيًا لكلّ العاملين فيه، والذين وجدوا أنفسهم عالقين في دوّامة العمل الدؤوب لإنجاز العدد، والقلق الشخصيّ على السلامة والشعور بالأمان. وكان ملفّ العدد دافعًا بالنسبة إلينا للتأمّل في موضوعه: "المتعلّمون بعد المدرسة: ممارسات صفّيّة بعين مستقبليّة". هل الموضوع مرتبط بأجيال المستقبل وحسب؟ الواقع أنّ التعامل مع الجنون المستمرّ في عالمنا، يشكّل المقال الأوّل في هذا الملفّ: ما الذي يجب إعداد المتعلّمين له حتّى يتفاعلوا مع بيئة متحرّكة – بعنف في أحيان كثيرة – حتّى ينجوا بعقولهم وأرواحهم بأقلّ الأضرار. والمقالات المشاركة في الملفّ أعطتنا العناوين الأساس لما يجب تدريب أجيال المستقبل عليه؛ لا لجعلهم أفضل في اقتناص الفرص وحيازة الصفقات، بل ليكونوا خلاصة حضارة بشريّة ترنو إلى مستقبل أكثر عدلًا وخيرًا وأمنًا للجميع. فكرة الملفّ ومقالاته ركّزت على وجوب تضمين العديد من المهارات والقدرات في التعليم، وعلى ضرورة مأسسة هذه النواحي في صلب الممارسات اليوميّة، في كلّ المراحل والموادّ.

ملفّ العدد القادم

دعوة للكتابة في الأعداد القادمة

للمساهمة والكتابة في أعداد المجلّة القادمة، نستقبل مقالاتكم حول المواضيع التربويّة المختلفة عبر البريد الإلكترونيّ: [email protected] تعالج مواضيع المقالات العامّة التربويّة في المجلّة قضايا التعليم والإدارة المدرسيّة وتطوير المعلّمين. وقد يكون موضوع المقال منطلقًا من تفكُّر ذاتيّ؛ تأمُّل في تجربة ما أو مراجعة لها أو مُشاركة لتجارب وأفكار مُختلفة، أو قد يكون نتاجًا لورشة أو ندوة أو مؤتمر، وربّما يكون مراجعة لكتاب أو مقالة استطاع الكاتب أن يختبر مقتضياتها في الصفّ، وأن يُدخل عليه ما يتناسب ووضع الصفّ والمدرسة بشكل عامّ، وأن يلمس بيده وروحه ما أدّت إليه في مسار المتعلّمين. المعارف، على أهمّيّتها، موجودة وباتت متاحة بلغات مختلفة، لكن تجربتكم الشخصيّة في تحويل المعرفة إلى ممارسة يوميّة أو استراتيجيّة ناجحة تلائم الواقع، هي الشعلة التي نرغب في نقلها إلى المُمارسين التربويّين في الحقل التعليميّ. للاطلاع على سياسات النشر في المجلّة سياسات منهجيات | منهجيات - نحو تعليم معاصر (manhajiyat.com)، وفريق منهجيّات سيكون داعمًا وموجودًا للتواصلِ والمتابعة والمجاورة.

أخبار تربويّة

قطر: وزارة التربية والتعليم تدشّن غرفًا تعليميّة تفاعليّة لتعزيز تعلّم الطلبة من ذوي الإعاقة

دشّنت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في قطر، غرفًا تعليميّة تفاعليّة ومساندة في روضة ومدرسة الهداية التخصصيّة الابتدائيّة للبنين والبنات، بحضور لولوة بنت راشد بن محمد الخاطر، وزير التربية والتعليم والتعليم العالي، وعدد من الوكلاء المساعدين وقيادات الوزارة. وذكرت الوزارة، في بيان لها، أنّ هذا المشروع يأتي في إطار جهود الوزارة الرامية إلى تطوير الخدمات التعليميّة المقدمة للطلبة من ذوي الإعاقة، وتوفير بيئات تعليميّة حديثة وشاملة تسهم في تنمية قدراتهم ومهاراتهم، وتمكينهم من التعلّم والمشاركة بفاعليّة وفق أفضل الممارسات التربويّة. وبيّنت أنّ إدارة التربية الخاصّة والتعليم الدامج تولّت الإشراف على تجهيز هذه المرافق وتفعيل برامجها التعليميّة، بما يتناسب مع الاحتياجات الحسيّة والتطوريّة لطلبة الدعم التعليميّ الإضافيّ، وبما يضمن تحقيق أقصى استفادة من التقنيّات التعليميّة المستخدمة فيها. ويعكس هذا المشروع التزام وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي بتعزيز جودة التعليم الدامج وتطوير الخدمات التعليميّة المساندة المقدمة للطلبة من ذوي الإعاقة. المصدر: وكالة الأنباء القطريّة

مركز الدراسات اللبنانيّة يصدر دراسة حول عدالة التربية والتعليم في زمن الحرب

أعلن مركز الدراسات اللبنانيّة عن إصداره دراسة بعنوان: "عدالة التربية والتعليم في زمن الحرب: الأزمات المتفاقمة في لبنان وتعميق اللامساواة". تتناول الدراسة واقع التعليم عقـب العدوان الإسرائـيليّ المتجـدّد على لبنـان في 2 آذار/مـارس 2026، وما نتج عنه من تحوّل مئات المدارس إلى مراكز إيواء ونزوح واسع بين الطلّاب، الأمر الذي أعاد طرح أسئلة جوهريّة حول فرص الوصول المتكافئ إلى التعليم واستمراريّته.وكانت الآثار على التعليم فوريّة وواسعة النطاق: إذ نزح 300,000 من أصل 1.1 مليون طالب وطالبة من اللبنانيّين والسوريّين والفلسطينيّين، وكان 61% من الأطفال ملتحقين بمدارس تأثّرت بالحرب، فيما جرى تحويل 550 مدرسة من أصل 1,228 مدرسة رسميّة. وحتّى تاريخ 6 أيار/مايو 2026، لم تستأنف سوى 54.8% من المدارس الرسميّة في الدوام الصباحيّ و48.7% من مدارس الدوام المسائيّ المخصّصة للطلّاب السوريّين التعليم الحضوريّ أو الهجين، ما يسلّط الضوء على حدّة التعطل في نظام الدوام المسائيّ. تحلّل هذه الدراسة تأثير حرب 2026 الإسرائيليّة على لبنان على إمكانيّة الوصول إلى التعليم واستمراريّته وتجارب التعلّم في لبنان، ضمن سياق أوسع من الأزمات المتراكمة والهشاشة البنيويّة وتعاظم اللامساواة. استندت الدراسة إلى مقابلات مع المديرين والمعلّمين والطلّاب والأهالي، واستبيان شمل 300 معلّمة/ معلّم في المدارس الرسميّة، وتُظهر كيف فاقمت الحرب أوجه اللامساواة المتراكمة عبر سنوات من الأزمات — ليقع العبء الأكبر على طلّاب المدارس الرسميّة، والمتعلّمين النازحين، والطلّاب السوريّين في الدوام المسائيّ، والأطفال ذوي الإعاقة. المصدر: مركز الدراسات اللبنانيّة

93 ألف طالب يؤدّون امتحانات الثانويّة العامّة في مناطق سيطرة الحكومة اليمنيّة

انطلقت يوم الأحد 7 حزيران/ يونيو 2026، امتحانات شهادة الثانويّة العامّة في المحافظات اليمنيّة الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا، بمشاركة أكثر من 93 ألف طالب وطالبة، في وقت يواصل فيه قطاع التعليم مواجهة تحدّيات كبيرة ناجمة عن الحرب والانقسام المؤسّسيّ المستمرّ منذ سنوات. ووفق بيانات وزارة التربية والتعليم، يتقدّم للاختبارات هذا العام 93 ألفًا و165 طالبًا وطالبة موزّعين على 906 مراكز امتحانيّة في المحافظات الواقعة ضمن نفوذ الحكومة، بينهم 78 ألفًا و727 طالبًا وطالبة في القسم العلميّ، و14 ألفًا و438 طالبًا وطالبة في القسم الأدبيّ. وفي هذا السياق، كانت وزارة التربية والتعليم في صنعاء قد نفّذت، في نيسان/ إبريل الماضي، اختبارات الشهادة العامّة للمرحلة الثانويّة للعام الدراسيّ نفسه، حيث بلغ عدد المتقدّمين لها نحو 215 ألفًا و246 طالبًا وطالبة، توزّعوا على 1,529 مركزًا اختباريًّا في المحافظات الواقعة تحت إدارتها، ما يجسّد الفجوة الإداريّة والمناهجيّة العميقة التي تكرّس ازدواجيّة العمليّة التعليميّة وآليّات تقويمها في البلاد. المصدر: العربيّ الجديد
بودكاست

في كلّ عدد تختار منهجيّات قضيّة أو مفهومًا تربويًّا تخصّص له ملفًّا يشارك فيه خبراء وأكاديميّون ومعلّمون في مقالات وتجارب وتحليلات، تتناول الموضوع من جوانبه المختلفة. يشكّل الملفّ رافدًا مهمًّا للمعلّمين والباحثين والمهتمّين.

حين تصبح القيم اختيارًا لا شعارًا: ممارسات صفّيّة في بناء الوعي الأخلاقيّ
ينطلق هذا المقال من تجربة صفّيّة سعت لمقاربة مفهوم القيم، بوصفها ممارسة يوميّة قائمة على الحوار والاختلاف وحقّ الاختيار، في محاولة الإسها... تابع القراءة
ممارسات صفّيّة بعين مستقبليّة
لا يمكن إغفال دور الممارسات اليوميّة والعلاقات الاجتماعيّة بين الطلّاب، في تعزيز المهارات الأساسيّة للتعلّم والقيادة. فحين يولي المعلّم ا... تابع القراءة

مقالات عن تجارب وتأمّلات وتقنيّات تعلّميّة – تعليميّة، غير مرتبطة بموضوع أو قضيّة محدّدة، ومفتوحة للمُشاركة دائمًا.

التعبير الكتابيّ في المنهاج الدراسيّ: المشكلات والحلول
لمّا كانت الكفايات التعبيريّة والتواصليّة من أسمى الكفايات التي يتوخّى منهاج اللغة العربيّة تحقيقها، جعل المشرّع التربويّ درس التعبير وال... تابع القراءة
التعليم في أوقات الأزمات: نماذج ميدانيّة من لبنان 
تتعرّض المنظومات التربويّة في المنطقة العربيّة لاضطرابات بنيويّة، بسبب الحروب والتصعيدات المتكرّرة، ما يهدّد الحقّ في التعلّم ويضاعف الفج... تابع القراءة

الندوة القادمة

ندوة منهجيّات الشهريًّة مساحة نقاش مفتوح يتناول موضوعًا يتجدّدُ، يشارك في الندوة مختصّون تربويّون ومعلّمون خبراء في موضوع الندوة.

ندوة: عافية ورفاه واستعداد: ماذا يفعل المعلّم في إجازة الصيف؟

عقدت منهجيّات ندوتها لشهر حزيران/ يوليو 2026، بعنوان "عافية ورفاه واستعداد: ماذا يفعل المعلّم في إجازة الصيف؟"وركّزت على محاور مختلفة، هي: 1. استعادة عافية المعلّم.2. الإجازة بوصفها مساحة نموّ مهنيّ وشخصيّ.3. الاستعداد لعامٍ جديد بتوازن أكبر. استضافت الندوة مجموعة من المتحدّثين، هم: أ. زهرة الشكيلي، معلّمة فيزياء- سلطنة عُمان؛ أ. روزين رزق، معلّمة ومنسّقة لمادّة اللغة العربيّة- من لبنان/ قطر ؛ أ. أسماء حسين الفقهاء، معلّمة أطفال تمهيديّ- فلسطين؛ ميس قواس منسّقة مادّة الأحياء لصفوف التاسع إلى الثاني عشر في مدرسة الأهليّة والمطران، ومعلّمة أحياء في برنامج البكالوريا الدوليّة( ،(وIBDPمديرة نموذج الأمم المتحدّة (MUN Director) الأردن.أدارت الندوة ؛ أ. مرام عبد العزيز غانم، معلّمة صفّ في برنامج السنوات الابتدائيّة - الأردن/قطر .استهلّت أ. غانم الندوة بالتعريف بمنهجيّات مجلّة تربويّة إلكترونيّة دوريّة، موجّهة لكلّ العاملين في القطاع التربويّ في السياق المجتمعيّ. تعمل المجلّة على نشر المساهمات العربيّة والعالميّة المثرية والملهمة دوريًّا، وبأشكال تعبير مختلفة ووسائط متعدّدة، وتتابع المستجدّات في الحقل، وتشجّع الحوار الذي يثري التجربة التربويّة في العالم العربيّ، ويجعل منها مصدرًا إنسانيًّا ومعرفيًّا قيّمًا للأفراد والمؤسّسات. ودعا جمهور الندوة إلى متابعتها والمُشاركة في أقسامها. المحور الأوّل: استعادة عافية المعلّم كيف تؤثّر الضغوط المتراكمة خلال العام الدراسي في الصحّة النفسيّة والجسديّة للمعلّم؟ أجابت الأستاذة أسماء الفقهاء معتمدة على تجربتها في تدريس مرحلة رياض الأطفال، موضحة أنّ هذه المرحلة تُعدّ مرحلة تأسيسيّة تبني شخصيّة الطفل. وهي لا تقتصر على التعليم فقط، بل تمتدّ لتشمل بناء الطفل من مختلف الجوانب. وأشارت إلى أنّ معلّم رياض الأطفال لا يؤدّي دور المعلّم فقط، بل يتحوّل إلى مصدر أمان واحتواء يشبه دور الأمّ والأب والأخ، إضافة إلى كونه داعمًا نفسيًّا واجتماعيًّا للأطفال.وبيّنت أنّ طبيعة هذه المرحلة العمريّة تتطلّب طاقة عالية، واحتواءً مستمرًّا لشخصيّات مختلفة من الأطفال، من شديدي الحركة إلى الهادئين وغيرهم. إضافة إلى التعامل مع الأطفال الذين يمرّون بمشاعر بسيطة لكنّها مؤثّرة بالنسبة إليهم، مثل الحزن بسبب موقف عائليّ بسيط. وأضافت أنّ المعلّم في هذه المرحلة يكون في حالة نشاط وحركة مستمرّة طوال اليوم، ما يؤدّي إلى استنزاف كبير في الطاقة مع نهاية العام الدراسيّ.وأكّدت أنّ الإجازة الصيفيّة ضروريّة لاستعادة العافية وإعادة شحن الطاقة، مشيرة إلى أنّ غياب هذه المساحة قد يؤدّي إلى إرهاق شديد لدى المعلّم. كما تطرّقت إلى تجربة شخصيّة خلال سنوات الحرب والضغوط في فلسطين، حيث انعكست الظروف السياسيّة والأمنيّة بشكل مباشر على الحياة اليوميّة والتعليم، ما زاد من الضغط النفسيّ على المعلّمين والأطفال على حدّ سواء، وجعل الحاجة إلى التعافي أكثر إلحاحًا.واختتمت حديثها بالتأكيد على أنّ هذا الضغط المتراكم لا يرتبط فقط بطبيعة العمل، بل أيضًا بظروف خارجيّة إضافيّة، وأن المعلّم بحاجة فعليّة إلى الإجازة مساحةً ضروريّة لاستعادة التوازن. ما دور الرفاه النفسيّ والاجتماعيّ للمعلّم خلال العام الدراسيّ في تسريع استعادة العافية، ورفع جودة الأداء المهنيّ، وتعزيز علاقته بالطلبة؟ وهل يمتدّ هذا الأثر إلى فترة الإجازة الصيفيّة أم ينقطع خلالها؟ أجابت أ. ميس قوّاس بأنّ رفاه المعلّم النفسيّ والاجتماعيّ يُعدّ أساس العمليّة التعليميّة. وأن شعور المعلّم بالراحة والدعم داخل بيئة إيجابيّة ينعكس مباشرة على أدائه داخل الصفّ، وعلاقته بالطلبة. وأضافت أنّ الطالب يتأثّر ليس فقط بالمادّة العلميّة، بل بالطاقة التي ينقلها المعلّم داخل الصفّ.وأشارت إلى أن أثر رفاه المعلّم لا يتوقف مع بداية الإجازة، بل يمتدّ خلال الصيف، خصوصًا في سياقات تعليميّة معيّنة. وشرحت أنّ الطلبة في الصفّ الحادي عشر يستمرّ عملهم خلال الصيف بكتابة التقارير العلميّة والمشاريع البحثيّة التي تشكّل جزءًا مهمًا من تقييمهم النهائيّ في مادّة العلوم.كما أشارت إلى استمرار بعض المهام المتعلّقة بالطلبة والمشاريع والمؤتمرات مثل نموذج الأمم المتّحدة، والذي يتطلّب تحضيرًا ممتدًّا خلال الصيف في اجتماعات وعمل مستمرّ. وبيّنت أنّ هذا الاستمرار في العمل خلال الصيف يرتبط أيضًا بالشغف المهنيّ، معتبرة أنّ حبّ المهنة يجعل المعلّم مستمرًّا في العطاء حتّى خارج العام الدراسيّ. بعد عام دراسيّ طويل، كيف يستعيد المعلّم عافيته؟ انتقلت أ. غانم بعد ذلك إلى أ. روزين رزق، متسائلة حول فكرة التعافي بوصفه عمليّة تدريجيّة بعد عام دراسيّ طويل، وكيف يمكن للمعلّم أن يستعيد عافيته فعلًا من منظور تربويّ وإنسانيّ؟أجابت أ. رزق بأنّ التعافي ليس أمرًا لحظيًّا أو سهلًا، بل إنّ استعادة العافية عمليّة تدريجيّة بعد عام دراسيّ طويل. وأضافت أنّ الإجازة الصيفيّة ليست رفاهية، بل ضرورة مهنيّة وشخصيّة تساعد المعلّم على استعادة طاقته استعدادًا لعام دراسيّ جديد.وأشارت إلى أنّ المجتمع غالبًا ما يظن أنّ المعلّمين يحصلون على شهرين من الراحة الكاملة. في حين أنّ هذه الفترة بالنسبة إلى المعلّمين ليست فصلًا عن العمل، بقدر ما هي مساحة ضروريّة لإعادة التوازن، مؤكّدة أنّ المعلّمين ينتظرون هذه الإجازة كما ينتظرها الطلبة تمامًا.كما شدّدت على أهمّيّة الاهتمام بالمعلّم من الناحية العاطفيّة والنفسيّة، تمامًا كما يتمّ الاهتمام برفاه الطلبة، معتبرة أنّ رفاه المعلّم أساس العمليّة التعليميّة. وأنّ العلاقة بين رفاه المعلّم وجودة التعليم علاقة مترابطة. وعبّرت عن ذلك بقولها "المعلّم السعيد يصنع صفًّا سعيدًا"، في إشارة إلى أنّ الحالة النفسيّة للمعلّم تنعكس مباشرة على بيئة التعلّم داخل الصفّ.وانتقلت بعد ذلك إلى الحديث على خطوات استعادة العافية، مشيرة إلى أهمّيّة الفصل الحقيقيّ بين الدور المهنيّ والحياة الشخصيّة بعد انتهاء العام الدراسيّ، بحيث يتمكّن المعلّم من الابتعاد مؤقّتًا عن التحضير والتخطيط والاجتماعات، من دون الشعور بالذنب، معتبرة أنّ هذا الفصل حقّ أساسيّ للمعلّم.وتحدّثت كذلك على أهمّيّة استعادة التوازن الجسديّ، موضّحة أنّ طبيعة العمل خلال العام الدراسيّ تجعل المعلّم في حالة من الانشغال المستمرّ، ما يؤدي إلى عشوائيّة في العادات الغذائيّة على سبيل المثال. وبالتالي فإنّ الإجازة تشكّل فرصة لإعادة تنظيم نمط الحياة الصحّيّ، والانتباه إلى التغذية.كما أكّدت على ضرورة الاهتمام بالصحّة النفسيّة، بنسيان الضغوطات والتحدّيات التي مرّ فيها المعلّم خلال العام، والتركيز على الإنجازات بدلاً من الإخفاقات، مع تخصيص وقت للتأمّل والهدوء.وأشارت أيضًا إلى أهمّيّة العودة إلى الهوايات التي قد يهملها المعلّم خلال العام الدراسيّ بسبب ضغط العمل، مثل الطبخ والزراعة والفنون، أو أيّ نشاط إبداعيّ آخر، إضافة إلى إمكانيّة استكشاف هوايات جديدة. كما شدّدت على أهمّيّة قضاء وقت نوعيّ مع العائلة والأصدقاء، معتبرة أنّ الإجازة فرصة لبناء ذكريات اجتماعيّة إيجابيّة.واختتمت إجابتها بالإشارة إلى أهمّيّة استثمار الإجازة في مراجعة العام الدراسيّ بطريقة تأمّليّة، بتقييم ما تمّ إنجازه، والتفكير في التحدّيات، وتحديد ما يجب الاستمرار به أو التوقّف عنه، بما يشبه مراجعة شخصيّة منظّمة للتجربة المهنيّة.حدّثينا عن تجربتك مع نهاية العام الدراسيّ وبداية الإجازة الصيفيّة: كيف تبدئين رحلة استعادة عافيتك وتوازنك بعيدًا عن ضغوط المدرسة، وما مدى إسهام التأمّل في هذه المرحلة في دعم الاسترخاء وتجديد الطاقة؟قدّمت الأستاذة زهرة الشكيلي مداخلة تناولت فيها تجربتها الشخصيّة مع نهاية العام الدراسيّ وبداية الإجازة الصيفيّة، متحدّثة عن كيفيّة استعادة التوازن والعافية بعيدًا عن ضغوط العمل المدرسيّ، ودور التأمّل في هذه المرحلة.استهلّت حديثها بالإشارة إلى أنّ العام الدراسيّ يمتدّ ما بين ثمانية إلى تسعة أشهر من الضغط المتواصل، موضحة أنّ طبيعة عملها تشمل تدريس عدّة صفوف، يتراوح عدد الطلبة في كلّ صفّ ما بين 38 إلى 43 طالبًا، وهو ما يجعل الصفوف مكتظّة بالطلبة ومتطلّباتهم المختلفة.وأوضحت أنّ هذا الازدحام لا يقتصر على الحضور داخل الصفّ فقط، بل يمتدّ إلى العمل المنزليّ، حيث تقوم بإعداد الأنشطة للطلبة ومتابعتها بشكل مستمرّ، إضافة إلى إعادة تطوير الدروس وتحديثها بما يتناسب مع احتياجات الطلبة.كما أشارت إلى أنّ هذا الجهد يتضاعف مع وجود التزامات إضافيّة، ولا سيّما للمعلّمين ذوي الخبرة، حيث يُستعان بهم في مهام متعدّدة داخل المدرسة، إلى جانب مبادرتهم المستمرّة لتقديم الدعم في أيّ عمل جديد يُطلب إليهم.وبيّنت أنّ هذا النمط من العمل يؤدّي إلى انشغال كبير خلال العام الدراسيّ، بحيث يصبح الوقت المخصّص للعائلة محدودًا جدًّا، مشيرة إلى أنّ اللقاءات العائليّة غالبًا ما تكون مساحة لتفريغ الطاقة واكتساب طاقة إيجابيّة، لكنّها لا تكون متاحة بشكل كافٍ بسبب ضغط العمل المستمرّ.وأكّدت أنّها تحتاج إلى استعادة عافيتها خلال الإجازة الصيفيّة حتّى تتمكّن من بدء عام دراسيّ جديد بطاقة أفضل، موضحة أنّ بداية شعورها بالتعافي يظهر بخطوات بسيطة، مثل ترتيب المكتب المدرسيّ، والتخلّص من الأوراق غير الضروريّة، وهو ما يمنحها شعورًا بانتهاء مرحلة وبداية أخرى.كما تحدّثت على طقوسها الشخصيّة في بداية الإجازة، مثل ترتيب خزانتها وغرفتها، والاستيقاظ بهدوء في الصباح، معتبرة أنّ هذه الممارسات تمنحها إحساسًا عميقًا بالراحة، وكأنّها تأخذ نفسًا جديدًا يعيد لها توازنها الداخليّ.وأشارت إلى أنّ هذه المرحلة تسمح لها بإعادة التخطيط للحياة الشخصيّة والاجتماعيّة، مثل زيارة الأهل، واللقاء بالأصدقاء، وتنظيم الرحلات والأنشطة العائليّة، إضافة إلى ممارسة الهوايات المؤجّلة، مثل القراءة أو تطوير اللغة الإنجليزيّة أو السفر.وأضافت أنّ هذه العودة التدريجيّة إلى الذات والهوايات تجعل المعلّم يدخل في حالة من الهدوء النفسيّ، وكأنّ هناك تحوّلًا داخليًّا واضحًا بعد انتهاء العام الدراسيّ، بحيث تبدأ ملامح الراحة بالظهور بشكل طبيعيّ. وأوضحت أنّ هذه الطريقة في استعادة العافية تطوّرت لديها مع الخبرة، مشيرة إلى أنّها في بداياتها المهنيّة كانت تشعر بالإحباط في نهاية العام الدراسيّ، وتقارن نفسها بزميلاتها الأكثر خبرة، ما كان يدفعها إلى الاستمرار في العمل حتّى خلال الإجازة من أجل تطوير ذاتها.كما تحدّثت عن تغيّر علاقتها بوسائل التواصل الاجتماعيّ، حيث أصبحت أكثر وعيًا في التعامل معها وعدم الانشغال بما يشتّت تركيزها خلال فترة التعافي. وأضافت أنّها في بعض الفترات كانت لا تستطيع الاستفادة من الإجازة بشكل كامل إلّا بعد الاطّلاع على المناهج المستقبليّة، والاستعداد لها مسبقًا، كما حدث عند استعدادها لتدريس منهج الصفّ الثاني عشر، حيث منحها ذلك الاستعداد شعورًا بالأمان والثقة قبل بداية العام الدراسيّ الجديد. واختتمت حديثها بالإشارة إلى أنّ لحظة الشعور الحقيقيّ ببداية التعافي كانت عندما انتهت من تجهيز المنهج والموادّ التعليميّة بشكل كامل، ما سمح لها بالدخول في الإجازة بحالة من الهدوء والاسترخاء.وفي تعليق لاحق، أشارت أ. غانم إلى نقطة إنسانيّة مشتركة، وهي أنّ أوّل شعور بالعافية لدى البعض يبدأ من رؤية الأهل بصحّة جيّدة، خصوصًا لدى من يعيشون في الغربة، معتبرة ذلك شكلًا أوّليًّا من استعادة التوازن والطمأنينة. المحور الثاني: الإجازة بوصفها مساحة للنموّ المهني والشخصيّ بما أنّ المعلّم يعتاد على إيقاع العمل اليوميّ، وقد يشكّل الانقطاع عنه تحدّيًا لدى البعض، كيف تمكن قراءة الإجازة بوصفها مساحة للنموّ وإعادة التوازن، لا مجرّد توقّف عن الممارسة المهنيّة؟ بدأت الأستاذة أ. الفقهاء مداخلتها بالتأكيد على ما طرحته زميلاتها، موضّحة أنّ المعلّم يحتاج في بداية الإجازة إلى فترة فصل حقيقيّة بسبب الإرهاق الكبير الذي يرافق نهاية العام الدراسيّ، وغالبًا ما تمتدّ هذه الفترة لأسابيع يشعر فيها المعلّم بالحاجة إلى التوقّف الكامل عن التفكير بالعمل.وأشارت إلى أنّ هذه المرحلة في سياق عملها في رياض الأطفال في فلسطين تترافق مع تغيّرات مهمّة، من أبرزها تطبيق المنهاج الجديد لرياض الأطفال، والذي يتضمّن أربعة كتب ووحدات تعليميّة تحتاج إلى دراسة معمّقة وتخطيط جديد، مع تركيز أكبر على بناء شخصيّة الطفل من الجوانب الاجتماعيّة والنفسيّة والتعبيريّة قبل الجانب الأكاديميّ.وبيّنت أن هذه التغيّرات تتطلّب من المعلّم إعادة تأهيل نفسه مهنيًّا خلال الإجازة، من خلال قراءة المناهج الجديدة والتخطيط للعام الدراسيّ القادم، على رغم وجود فترة قصيرة من الإجازة الفعليّة قبل بدء تسليم الخطط في بداية شهر تمّوز.وأضافت أنّ المعلّم، وعلى رغم محاولته الفصل عن العمل، إلّا أنّه لا ينقطع عنه تمامًا، إذ يتابع الأفكار والمقالات والموادّ التربويّة بشكل تلقائيّ، ويحتفظ بما يراه مفيدًا لتطوير ممارساته، مشيرة إلى أنّ هذا جزء من طبيعة المهنة.كما تحدّثت عن أهمّيّة الدورات التدريبيّة خلال الإجازة، مشيرة إلى تجربتها في دورات مثل "المعلّم المحترف" ودورة الإيقاع والموسيقى، والتي انعكست إيجابًا على تفاعل الأطفال داخل الصفّ، من خلال توظيف الإيقاع في الأنشطة اليوميّة مثل تحيّة الصباح والحضور والغياب.وأكّدت أنّ الإجازة تشكّل فرصة لتطوير الذات مهنيًّا بما يتناسب مع بيئة العمل واحتياجات الأطفال، إضافة إلى فرصة للتأمّل في نقاط القوة والضعف، وإعادة تقييم الممارسات التربويّة. وأشارت كذلك إلى أنّها تبدأ خلال الإجازة بإعداد الملفّات والخطط للعام الدراسيّ الجديد، بما في ذلك تنظيم البيئة الصفّيّة والتفكير في أساليب التعزيز المناسبة، إضافة إلى محاولة فهم طبيعة الطلبة الجدد قبل بداية العام الدراسيّ. واختتمت مداخلتها بالإشارة إلى أنّ المعلّم خلال العام الدراسيّ غالبًا ما ينشغل بشكل كبير عن حياته الاجتماعيّة والعائليّة، إلى درجة تراجع التواصل حتّى مع الأقارب، ما يجعل الإجازة فرصة لإعادة بناء هذا الجانب من الحياة.كيف يمكن للإجازة أن تغيّر نظرة المعلّم إلى ذاته خارج دوره المهنيّ، وما أثر ذلك في حضوره داخل الصف عند العودة؟أجابت أ. ميس قواس بأنّ الإجازة تذكّر المعلّم بأنه ليس فقط معلّمًا، بل إنسان له حياة واهتمامات وأدوار متعدّدة، غالبًا ما تُهمَل خلال العام الدراسيّ بسبب كثرة المسؤوليّات. وأوضحت أنّ الإجازة تمثّل فرصة لإعادة التوازن، ولا سيّما في ما يتعلّق بقضاء الوقت مع العائلة، والسفر والاهتمام بالصحّة والنشاط الرياضيّ، إضافة إلى ممارسة الأعمال التطوعيّة، مشيرة إلى تجربتها في تأسيس جمعيّة الرحمة لإنقاذ الحيوان في الأردن، والتي توفّر لها مساحة مختلفة من العطاء الإنسانيّ خارج إطار التعليم.وأضافت أنّ هذا النوع من الأنشطة يمنحها راحة نفسيّة، ويساعدها على الابتعاد عن ضغوط العمل المدرسيّ، كما أكّدت أنّ المعلّم يجب أن يبقى متعلّمًا دائمًا، وأنّ الإجازة توفّر فرصة مثاليّة لمواكبة التطوّرات العلميّة والتربويّة، خصوصًا في مجال تخصّصها في مادّة الأحياء. وأشارت إلى أهمّيّة الاطّلاع على الأبحاث العلميّة الجديدة، معتبرة أنّ الإجازة تمنح المعلّم وقتًا أوسع للتعلّم بعيدًا عن ضغط الوقت .وأكّدت أنّ هذا التوازن بين الراحة والتطوير المهنيّ ينعكس بشكل مباشر على أداء المعلّم داخل الصفّ، حيث يعود المعلّم بطاقة إيجابيّة أكبر وقدرة أفضل على التواصل مع الطلبة. وشدّدت على أنّ العناية بالنفس ليست أمرًا ثانويًّا، بل جزء أساسيّ من استمراريّة العطاء المهنيّ على المدى الطويل.في ظلّ التوازن بين قضاء الوقت مع العائلة والاستمتاع بالإجازة الصيفيّة، كيف تتمكّنين من إيجاد مساحة خاصّة للتطوير المهنيّ خلال هذه الفترة؟ وكيف تصنعين هذا التوازن؟أجابت أ. رزق بأنّ المعلّم خلال العام الدراسيّ غالبًا ما يضطر إلى تقديم العمل على العائلة، ما يؤدّي إلى خلل في التوازن. وبالتالي تأتي الإجازة فرصةً لتعويض هذا النقص. وأوضحت أنّ التطوير المهنيّ خلال الإجازة يختلف عنه خلال العام الدراسيّ، إذ يكون المعلّم في الإجازة حرًّا في اختيار الدورات والورش والتوقيت والموضوع، ما يجعل التجربة أكثر راحة ومتعة، مقارنة بالورش الإلزاميّة خلال العام.وأضافت أنّ هذا الاختيار الحرّ يشبه الذهاب إلى فيلم سينمائيّ يختار الشخص مشاهدته بنفسه في السينما، بدلًا من متابعة شيء مفروض عليه بالتلفزيون، ما يجعل التعلّم أكثر متعة وتأثيرًا. كما أشارت إلى إمكانيّة استثمار الأوقات الصغيرة خلال اليوم في القراءة أو متابعة المحتوى التربويّ أو البودكاست، بما يسهم في تطوير المعلّم بشكل تدريجيّ ومستمرّ من دون ضغط. وأكّدت أنّ التوازن بين العائلة والتطوير المهنيّ لا يعني المساواة الدقيقة في الوقت، بل وجود جرعات صغيرة مستمرّة من التعلّم، إلى جانب وقت نوعيّ للعائلة. واختتمت إجابتها بالتأكيد على أنّ التطوير المهنيّ خلال الإجازة يجب أن يكون نابعًا من اختيار شخصيّ وحريّة كاملة، ما يجعل أثره أعمق وأكثر استدامة.كيف يمكن للتجارب الشخصية خلال الإجازة الصيفية مثل القراءة، السفر، العزلة، والتأمّل أن تسهم في تطوير المعلّم مهنيًّا، وإعادة تشكيل شخصيّته بشكل غير مباشر؟بالنسبة إليّ، أوّل ما أبدأ به هو السفر. عندما نذهب إلى أيّ مكان، لا أستطيع أبدًا أن أفصل نفسي عن مهنتي: انتهت السنة الدراسيّة، والآن أنا في إجازة صيفيّة وأنسى أنّني معلّمة. فالمهنة وأحداثها وطلبتنا وزملاؤنا تبقى دائمًا حاضرة في الذهن. في كلّ ما نراه تقريبًا، نبدأ مباشرة بالربط؛ هذا المشهد يمكن أن أستفيد منه مع زميلاتي في النقاش، أو يمكن أن نطبّقه مع طالباتنا. خصوصًا في الوقت الحاليّ، أصبحت المدارس أكثر تجدّدًا، وتبحث دائمًا عن إضافات جديدة، ويصبح بيننا نوع من التنافس الشريف: من سيأتي هذا العام بالفكرة الأحدث؟ فنحن أثناء السفر، بشكل لا شعوريّ، يكون ذهننا في حالة بحث دائم عن فكرة جديدة: ماذا يمكن أن أضيف إلى مدرستي؟ أذكر أنّه في السابق كنت في زيارة إلى السعودية، ورأيت هناك أنّ طلبة الكشافة يُوظّفون في فصل الصيف في خدمة المعتمرين. كانت فكرة جميلة جدًّا، لأنّنا أصلًا اليوم نتّجه نحو رؤية عُمان 2040، التي تهدف إلى بناء جيل قادر على خدمة المجتمع، لا مجرّد طالب منغلق داخل الكتب والأوراق، يفرّغ ما تعلّمه في ورقة اختبار وينتهي الأمر.أعجبتني الفكرة، وبدأت أفكر: كيف يمكن أن أوظفها مع طالبات إناث وليسوا ذكورًا؟ وفي مرّة أخرى، كانت إحدى زميلاتي في سفر إلى سوريا، فكانت تلاحظ وتصوّر أفكارًا مختلفة، ومع كلّ فكرة كنّا نناقشها ونبني عليها، حتّى نؤسّس لفكرة قابلة للتطبيق في مدرستنا. أذكر أنّها صوّرت أعمال الطلّاب الفنيّة المعروضة في شوارع المدينة وعلى أسوارها، وكان شيئًا مدهشًا وجميلًا جدًّا. وتخيّلت نفسي طالبةً، والأستاذ يثق بي ويكلّفني بتنفيذ عمل على سور المدينة؛ هذا بحدّ ذاته ثقة كبيرة، ويعزّز مواهب الطلبة بشكل واضح.أما بالنسبة إلى القراءة، فقديمًا كنّا نعتمد على الكتب. أمّا اليوم فأغلب القراءة أصبحت عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، أو الكتب الإلكترونيّة، وهي أيضًا تضيف إلينا وتفيدنا. وغالبًا عندما أطّلع على شيء في الصيف، أجد نفسي أفكّر: عند العودة لا لا بدّ أن أقدّم شيئًا جديدًا، وأحبّ أن أقدم إنماءً مهنيًّا لا أكون فيه مجرّد متلقٍّ، بل أمتلك فيه هويّة خاصة ومميزّة. وبدل أن أكرّر كلّ عام طريقة التدريس التقليديّة نفسها، أحاول أن أضيف تجديدًا حقيقيًّا.أمّا العزلة والتأمّل، فأنا من الأشخاص الذين يحبّون جدًّا أن يكون لهم عالمهم الخاصّ؛ أراجع فيه نفسي، وأنظّم أموري، وأفكّر في المواقف التي حدثت: كيف أتعامل معها؟ كيف يمكن أن أطوّرها؟ وما الأخطاء التي تحتاج إلى تصحيح؟ هذه العزلة تمنحني تأمّلًا عميقًا وراحة نفسيّة كبيرة جدًّا.عندما أعود من العام الدراسيّ، يبقى في ذهني دائمًا ما يمكن تطويره في السنة القادمة. لكن بعد هذا التأمّل، أعود بحالة من التجدّد، وأقول: بعد المراجعة وربط الخبرات، يمكن أن نطبق فكرة جديدة. وهذا لا ينعكس فقط عليّ، بل على زميلاتي أيضًا، ويجعل المدرسة دائمًا متقدّمة بخطوة من خلال تنفيذ أفكار جديدة ومبتكرة. المحور الثالث: الاستعداد لعام جديد بتوازن أكبر كيف يمكن للتخطيط القياديّ أن يوسّع مفهوم "الاستعداد" في السياق التربويّ، ليشمل إلى جانب الخطط والأدوات إعادة تشكيل رؤية المعلّم وحضوره داخل الصفّ؟ قالت أ. رزق إنّه عندما نعود من العطلة الصيفيّة نكون نحن أيضًا مثل الطلّاب: ففي الأسبوع الأوّل لا نرغب بالعودة، وفي الليلة الأولى لا ننام، ونتساءل كيف سنعود إلى الدوام؟يكون الأسبوع الأوّل والأسبوع الثاني من المدرسة، ولا سيّما في المدارس الدوليّة التي تتعامل مع جنسيّات مختلفة، مخصّصين تقريبًا للتخطيط والإرشاد والتوجيه. وفي الأسبوع الأوّل خاصّة، يجب أن يكون البرنامج خفيفًا؛ فنحن عائدون من عطلة صيفيّة. لا نريد أن نضغط على المعلّمين منذ بداية العام، ولكن في الوقت نفسه يجب أن تكون البداية قويّة. لا نريد أن ندخل المدرسة، وأنا أتحدّث هنا بوصفنا فريق قياديّ، وكأنّنا نتعثّر. فإذا تعثّرنا في بداية العام سنظلّ نتعثّر طواله، لذلك يجب أن تكون خطواتنا ثابتة منذ بداية العام الدراسيّ. لذلك يجب أن يكون الجدول خفيفًا، ولكن في الوقت ذاته مدروسًا. في الأسبوع الأوّل أيضًا ينضم إلينا أفراد جدد من الكادر، وهؤلاء لا يعرفون المدرسة ولا نظامها ولا سياساتها، وأحيانًا يكونون جددًا على البلد أيضًا، ولذلك هم بحاجة إلى وقت للتعرّف إلى هذه الأنظمة الموجودة في المدرسة، وهذا يكون جزءًا من الجدول.وفي الأسبوع الثاني ينضم إلينا الكادر الذي كان موجودًا سابقًا، فتكون المدرسة قد اكتمل كادرها بالكامل. وهنا يكون الدور القياديّ، كما ذكرت، هو الدعم والتوجيه والإرشاد والمساعدة في التخطيط. وأوّل ما يجب علينا القيام به، خصوصًا مع وجود كادر جديد، هو توحيد أولويّات المدرسة. وأكدّت أ. رزق: على ضرورة أن يكون لدى الفريق كلّه فهم مشترك لأولويّات المدرسة. كما يجب أن يكون لديه فهم لرؤية المدرسة ورسالتها، وما الأهداف التي وضعتها لهذا العام الدراسيّ؟ وما الورش وبرامج التطوير المهنيّ التي سيعملون عليها؟كذلك، نحن كمدرسة نعمل مع بداية العام الدراسيّ على وضع أهدافنا، فيكون لدينا هدف للفريق، وهدف للمدرسة، وهدف شخصيّ، ونعمل جميعًا على هذه الأهداف. كما ننظّم أنشطة ترفيهيّة في بداية العام الدراسيّ وبناء فرق العمل حتّى يتعرّف الأفراد إلى بعضهم بعضًا ويكسروا الحواجز، ولا سيّما أفراد الفريق الجدد. فالهدف ليس فقط أن نخطّط ونوزّع الجداول ونوضّح لكلّ معلّم مهامه في بداية العام الدراسيّ، بل أن يكون هناك أيضًا تفكير استراتيجيّ. نريد أن تكون الرؤية موحّدة، وأن نتأكّد من أنّ الأهداف واضحة للجميع، وألّا يكون الأمر مقتصرًا على الاستعداد لبداية العام الدراسيّ، بل أن نتأكّد من أنّ الجميع يمتلك فهمًا واضحًا ومشتركًا لرؤية المدرسة، وأنّ لدينا ثقافة موحّدة وأهدافًا واضحة، حتّى نتمكّن من الاستمرار في التطوّر والتعلّم خلال العام الدراسيّ.وهذا لا يعني أنّنا لن نواجه تحدّيات أو مشكلات خلال العام الدراسيّ، ولكن عندما نكون جميعًا منذ البداية متّفقين على أهداف واضحة ونتحدّث اللغة نفسها، فإنّ ذلك سيساعد المعلّم ليس فقط في التخطيط لدروسه، بل أيضًا في كيفيّة مواجهة التحدّيات خلال العام الدراسيّ. انطلاقة المعلّم تكون أقوى عندما يكون مرتاحًا نفسيًّا ويعرف ما ينتظره. ومن هنا تأتي أهمّيّة الأسبوع التحضيريّ أو الأسبوعين اللذين يسبقان حضور الطلّاب، فهما يساعدان المعلّم على الاندماج أكثر والتكيّف مع البيئة الجديدة أو مع الفريق الجديد الذي أصبح جزءًا منه، والتعرّف إليه.كيف يمكن أن يسهم إنهاء العام الدراسيّ بصورة إيجابيّة، بحيث يكون الطلبة سعداء ومستعدّين للإجازة، في تعزيز تعافي المعلّم وبناء استعداد أفضل للعام الدراسيّ القادم؟قالت أ. قواس إن إنهاء العام الدراسيّ بصورة إيجابيّة أمر مهمّ جدًا؛ لأنّه عندما ينتهي العام الدراسيّ والطلّاب سعداء ومرتاحون، ويشعرون أنّهم أنجزوا وتعلّموا واستفادوا، فإنّ هذا الشعور يصل بالتأكيد إلى المعلّم أيضًا. وفي الوقت نفسه،فنحن، المعلّمين، نستثمر الكثير من الوقت والجهد والطاقة طوال العام. وعندما أرى الطلّاب سعداء وفخورين بإنجازاتهم، خصوصًا أنّنا نتحدّث على فئة عمريّة عملت كثيرًا في الصفّ الحادي عشر، ولا يزال أمامها الكثير من العمل في الصفّ الثاني عشر، أشعر أنّ هذا التعب كان له معنى حقيقيّ.أما بالنسبة إلى المعلّم، فلكي يدخل العطلة الصيفيّة مرتاحًا، من المهمّ جدًّا ألّا يكون هناك شيء معلّق أو ناقص في الترتيبات. فعلى سبيل المثال، يكون شهر يونيو لدينا في المدرسة مقسّمًا بحيث تُعقد امتحانات نهاية العام خلال الأسبوعين الأوّلين، بينما يخصص الأسبوعان الأخيران لاستكمال الطلّاب المتطلّبات منهم، مثل الأعمال المخبريّة، والاجتماعات الفرديّة مع المعلّمين، وغيرها من الأمور المهمّة المتعلّقة ببرنامج البكالوريا الدوليّة.كما يكون لدى الطلّاب قائمة بجميع مواعيد التسليم الخاصّة بالعام الدراسيّ القادم. وبالتالي، عندما يكون الطالب على دراية بما هو مطلوب منه، وتكون أموره مرتبة، ويعود إلى برنامجه الخاصّ، يستطيع تنظيم وقته خلال الصيف بصورة صحيحة. وهذا ما يحدث عندما ينتهي العام الدراسيّ بصورة إيجابيّة؛ إذ يكون الطالب سعيدًا ومرتاحًا وفخورًا بإنجازاته، وقد أنجز عملًا مهمًّا، ولا يبقى أمامه سوى بعض المهام الأخف التي يمكنه إنجازها خلال الصيف، حتّى يعود في شهر سبتمبر إلى عامه الأخير في المدرسة، وهو عام يتّسم عادة بكثير من الضغوط.كذلك، فإنّ إنهاء العام الدراسيّ بصورة إيجابيّة يحمل أهمّيّة كبيرة بالنسبة إلى المعلّم أيضًا، من ناحية شعوره بالتقدير. فعندما يشعر المعلّم بأن إدارة المدرسة تقدّر جهوده، وأنّ طلّابه يقدّرون عمله، فإن ذلك يمنحه دافعًا كبيرًا. وعندما ينتهي العام الدراسيّ، والمعلّم سعيد ويشعر بالتقدير، فإنّ كثيرًا من التحدّيات تصبح أسهل في التعامل معها، ويصبح شعوره تجاه مهنته أجمل، ويشعر براحة أكبر، على رغم كلّ التغيّرات التي نشهدها في الأجيال الجديدة.فبعد أربعٍ وعشرين سنة في مجال التعليم، أستطيع أن أرى بوضوح حجم التغيّر الذي طرأ على الأجيال الجديدة. ولا تظنّوا أنّ التواصل مع الطلّاب خلال العطلة الصيفيّة أمر سهل. ولهذا، إذا لم ننتهِ من العام الدراسّي بصورة إيجابيّة، فقد لا ينجز الطالب الأعمال التي ستساعده وتريحه في العام الذي يليه. أما إذا شعر الطالب بوجود تواصل إيجابيّ بينه وبين المعلّم، وكان الطرفان مرتاحين لهذا التواصل الذي سيستمرّ خلال العطلة، فإنّ ذلك يساعدنا جميعًا على العودة كلّ عام ونحن مستعدّون للبدء من جديد، وممتلئون بالطاقة والأمل عامًا بعد عام. كيف تستعدّينِ بشكل شخصيّ لعام دراسيّ جديد يحقّق توازنًا بين الجوانب المهنيّة والإنسانيّة في ممارستك التعليميّة؟ أكّدت أ. الفقهاء على ما ذكرته سابقًا: من الجميل خلال العطلة الصيفيّة أن نعطي أنفسنا وقتًا للترفيه، ووقتًا لإعادة التوازن النفسيّ والجسديّ والفكريّ. وطبعًا، نبدأ الاستعداد في الشهر الأخير من العطلة. حيث أبدأ بالتجهيز والعمل، سواء على الوسائل أو البطاقات. وبما أنّنا نتعامل مع فئة رياض الأطفال، فإنّنا نحتاج إلى أشياء ترفيهيّة أكثر، وأشياء حركيّة أكثر، وأشياء تجذب الأطفال بصورة أكبر.وفي روضتنا، يداوم المعلّمون قبل الطلّاب بأسبوعين. وهنا نبدأ الاستعداد وتجهيز الصفوف من حيث الوسائل، وأدوات الأطفال، وكلّ ما يتعلّق بهم. وفي بعض الأحيان، وقبل بداية كلّ عام، يكون لدينا برامج تفريغ للمعلّمين، أي أنشطة تفريغيّة ينظّمها المرشدون لدينا، كما يستضيفون مختصّين من خارج المؤسّسة لتقديم موضوعات تتعلّق بالتطوير المهنيّ، مثل كيفيّة استخدام الدراما بطريقة أكثر فاعليّة.وكما ذُكر، فإنّ الأطفال الذين يأتون كلّ عام يختلفون فعلًا عن أطفال العام الذي سبقه، ونحن نلاحظ هذا الاختلاف في كلّ شيء، سواء من الناحية السلوكيّة أو النفسيّة أو الأكاديميّة أو الاجتماعيّة. وربّما يعود ذلك إلى هذا التطوّر التكنولوجيّ الكبير الذي نشهده. لذلك أصبحنا نحاول إدخال الذكاء الاصطناعيّ في التعليم، وهو أمر يجذب الأطفال كثيرًا، ولكن بطريقة مناسبة لأعمارهم. وأنا شخصيًّا من المعلّمين الذين لا يؤيّدون الإفراط في استخدام الوسائل الإلكترونيّة في الروضة، ولكن لدينا حدود وقوانين في كلّ مؤسّسة تعليميّة تنظّم ذلك، فقد يكون الاستخدام مرّة واحدة أسبوعيًّا لمدّة نصف ساعة أو ساعة كحدّ أقصى، وهذا أمر جميل.ونحن المعلمين، نطرح أيضًا على الإدارة الأمور التي نرغب في تطويرها في أنفسنا، أو الموضوعات التي نرى أنّ طبيعة الأطفال القادمين تحتاج إلى العمل عليها، وربّما لم نكن نركز عليها سابقًا، لكنّنا بحاجة إلى تطويرها بما يتناسب مع طبيعة الأطفال الجدد.في العام الماضي. كنت مستعدّة للعام الدراسيّ. لكن في نهاية العطلة تعرّضت ابنتي إلى وعكة صحيّة واُجريَت لها عمليّة جراحيّة، واضطررت إلى أخذ إجازة خلال الفصل الأوّل. وصدقًا، كان الأمر مرهقًا جدًّا نفسيًّا وجسديًّا. لم أعد إلى العمل إلّا بعد أن اطمأننت على أمور ابنتي الصحّيّة. فأطفالنا هم دائمًا من نشعر أنّنا مقصرون معهم خلال العام الدراسيّ، ونشعر تجاههم بالذنب باستمرار. لذلك، فإن أوّل ما أفكّر فيه عند بداية العطلة هو: ماذا سنقدّم إليهم؟ وكيف سنعوّضهم خلال هذه الفترة؟ وكيف سنجلس معهم؟ وإلى أين سنذهب معهم؟ وكيف سنقضي أكبر وقت ممكن مع أطفالنا؟ لأنّنا بالفعل مقصّرون معهم خلال العام الدراسيّ.كانت تجربتي قاسية نوعًا ما، ولذلك بدأت العودة بشكل تدريجيّ. ونصيحتي ألّا يعود الإنسان في مثل هذه الظروف دفعة واحدة. فقبل انتهاء إجازتي بدأت أعود بصورة تدريجيّة؛ ذهبت متطوّعة إلى العمل يومًا واحدًا في الأسبوع، ثمّ يومين، ثمّ ثلاثة أيّام، حتّى أشعر بالراحة النفسية وأطمئن أنّ ابنتي بخير. ولو عدت مباشرة إلى الدوام لكان الأمر صعبًا عليّ وعليها. لذلك كانت العودة التدريجيّة مريحة جدًّا؛ لأنّ الإنسان يحتاج إلى أن يكون مطمئنًّا ومرتاحًا نفسيًّا حتّى يستطيع أن يعطي ويحقّق مع طلّابه وأطفاله ما يطمح إليه.هذا هو التوازن الذي نحاول تحقيقه بين صحّتنا النفسيّة وحياتنا الشخصيّة وعملنا، وبين ما نريد أن نقدّمه إلى طلّابنا. وصدقًا، أشعر أنّني في هذا العام قدّمت نحو 80% من طاقتي، لأنّني، على رغم محاولتي استعادة توازني النفسيّ، فنحن في النهاية بشر، ولا يمكن للإنسان أن يكون في أفضل حالاته بنسبة 100%. ولذلك شعرت أنّني قدّمت 80% من طاقتي. وعلى رغم أنّني لم أبدأ العام الدراسيّ مع الطلّاب منذ بدايته، فإنّني شعرت بإرهاق شديد في نهاية العام.كيف يمكن للبيئة المحيطة بالمعلم (الأصدقاء/ العائلة) أن تسهم في تعزيز استعداده وبناء توازن صحّيّ مع بداية عام دراسيّ جديد؟ أعادت أ. الشكيلي التأكيد على استغلالها الإجازة الصيفيّة في لقاءات مع العائلة، والتجمعات مع الزملاء والأصدقاء. وخلال هذه اللقاءات لا يخلو الحديث أبدًا من شؤون المدارس والممارسات التدريسيّة. وسواء كان المتحدّثون طلبة أو أولياء أمور أو أشخاصًا من خارج السلك التعليميّ. فلا بدّ أن يتحدّثوا عن هذه الأمور. ومن خلال هذه الأحاديث ننتبه أحيانًا إلى أمور لم تكن حاضرة في أذهاننا. فإذا تحدّث ولي أمر أو زميل أو زميلة على موقف تعرّض إليه ابنه أو ابنته، فإنّنا نلتفت إلى بعض الممارسات التي قد لا نكون منتبهين إلى أثرها النفسيّ في الطالب، ومدى أهمّيّة الحرص والدقّة فيها. وأحيانًا أجد نفسي أوضّح لولي الأمر أمرًا ربّما لم يكن منتبهًا له، فألفت نظره إلى خطورة تصرّف معيّن أو ما شابه ذلك.وأذكر من ضمن المواقف أنّ ابنة أختي كانت تتحدّث عن مادّة دراسيّة معيّنة، وكانت من النوع الذي يكثر من الأسئلة. وأحيانًا يمرّ علينا طلبة نشعر أنّ طريقة طرحهم للأسئلة توحي وكأنّهم يشكّكون في قدرة المعلّم. وكانت تحكي دائمًا أنّ المعلمة توبّخها وتشعر بأنّها تستهزئ بها. وعندما كانت تروي ذلك، كنت أراجع مباشرة طريقة حديثي مع طالباتي في المدرسة. فربّما يأتي الطالب بهذه الطبيعة من دون قصد، وهو ما يزال صغيرًا. وإذا لم أتحلَّ بسعة الصدر، فعليّ أن أوجّهه أو أن أتحدّث معه على انفراد، وأساعده على تطوير طريقة طرحه للأسئلة بأسلوب لا يجعلني أشعر بالضيق نفسيًّا.ومتى ننتبه إلى هذه الأمور؟ عندما يحدثنا شخص يهمّنا أمره من موقع الطالب. عندها أنتبه إلى نفسي. وهنا تحقّق لدي نموّ مهنيّ لأنّ طالبة أو شخصًا قريبًا منّي حكى لي موقفًا أثّر فيّ. وعندما أعود إلى المدرسة أصبح أكثر انتباهًا. وحتّى عندما تدور النقاشات في غرفة المعلّمات، وتقول إحداهنّ إنّ طالبة أزعجتها بطريقة حديثها أو أسلوبها في طرح الأسئلة، أتذكّر هذه المواقف وأقول لهن إنّني كنت أشعر بالمثل، لكن بعد أن سمعت الموقف الذي روته ابنة أختي بدأت أراه من زاوية مختلفة. أسئلة الجمهور ما إحساسكن عند فراق التلاميذ عند نهاية العام الدراسيّ؟ شبّهت أ. رزق الأمر بالعائلة التي يكون لديها أبناء، ثمّ يأتي الوقت الذي يزوّجون فيه أبناءهم، فيغادر منهم عريس أو عروس إلى بيت جديد. فنقول: الله يبارك بالبيت الذي خرج منه بيت. ومثلما يحزن الأهل على أبنائهم، وهم يعلمون أنّهم ذاهبون لبدء حياة جديدة وتأسيس أسرة جديدة، فيشعرهم ذلك بالفرح. هذه هي الحياة. وكما يقول جبران: أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة. فأنتِ تدرّبينهم وتعلّمينهم ليواصلوا طريقهم في الحياة.وبالتأكيد نحن لا نريدهم أن يبقوا معنا إلى الأبد. نعم، نشعر بالحزن، لكنّ هذا الإحساس يكون لحظيًّا ومؤقّتًا، لأنّنا نعلم أنّهم ذاهبون إلى مكان أفضل، ويتقدّمون في مسيرتهم التعليميّة، وسيلتحقون بالجامعات، ثمّ في العمل، ثمّ يؤسّسون عائلاتهم. لذلك يكون الحزن مؤقّتًا، لأنّه في سبيل شيء أفضل، وهذه هي الحياة التي لا بدّ أن تستمرّ.من ناحيتها أجابت أ. الفقهاء: بصراحة، يكون الفراق بالنسبة إلينا مزيجًا من الحزن والفرح في الوقت نفسه، ولا أعرف لماذا. لكن، كما قالت الأستاذة روزين، يصبح الطلّاب جزءًا من عائلتنا، ويصبحون كأنّهم أطفالنا. نصل إلى مرحلة نشعر فيها أنّنا مسؤولون عنهم، فنفكّر: لماذا هو حزين؟ ولماذا عاد منزعجًا؟ وغدًا أريد أن أعرف سبب ذلك. وتبقى أفكارنا مشغولة بهم، فهم أطفالنا فعلًا، ويقضون أكثر من نصف يومهم معنا، ولذلك هم جزء منّا بالتأكيد.وفي إحدى السنوات تعلّقت كثيرًا بمجموعة من الطالبات. كنّ يأتين إليّ بمشط الشعر وفرشاته، ويطلبن إليّ أن أصفّف لهنّ شعورهنّ قبل المغادرة، ويجلبن ربطات الشعر أيضًا. وصدقًا، كنت متعلّقة بهنّ كثيرًا في تلك السنة. وعندما جاء وقت التخرّج، كنّ يقلن: "نحن لا نريد أن ننتقل إلى الصفّ ّالأوّل، نريد أن نبقى عندك."صدقًا، بكيت. الأطفال بكوا، وبعضهم بكى بشكل هستيريّ، وكذلك أولياء أمورهم، وأنا أيضًا بكيت كثيرًا جدًا في ذلك اليوم، ولا أنساه أبدًا. وفي ختام الحوار وجهّت أ. قوّاس رسالة إلى المعلّمين بأن يكونوا سعداء ومرتاحين، وأن يحبّوا ما يقومون به، وأن يحبّوا طلّابهم، لأنّ هذا يساعد كثيرًا جدًّا في حياتهم المهنيّة وفي صحّتهم النفسيّة أيضًا. مؤكّدة على إيمانها أنّ الإنسان عندما يكون سعيدًا ومرتاحًا، يبدع ويستمرّ في الإبداع، ويشعر بأنّ لديه مساحة واسعة. ولا يحسّ بأنّه يعيش داخل قفص. وكما نعلّم طلّابنا أن ينطلقوا بأجنحتهم ويحلّقوا، أحبّ أن أقول الأمر نفسه للمعلّمين."من ناحيتها نصحت أ. الشكيلي المعلّمين أن يستمتعوا بالصيف وأن يستعيدوا عافيتهم. فهم مرهقون طوال العام، ويعملون وكأنّهم في وضعية تشغيل مستمرّة بأقصى طاقة، ولذلك هم بحاجة فعليّة إلى الراحة. فلا تحرموا أنفسكم من هذه الراحة، مهما كانت الظروف العائليّة أو المفاجآت أو الأزمات التي لم تكن في الحسبان. لا بدّ أن يمنح الإنسان نفسه أسبوعًا على الأقلّ ليستريح. خذوا هذه الراحة؛ لأنّكم تشحنون خلالها طاقتكم. فأنتم تحملون أمانة أبناء الناس، وهؤلاء الطلبة أمانة. وإذا دخلت عليهم وأنا منهكة، فكيف أفيهم حقّهم؟ كيف أفيهم حقّهم في المادّة العلميّة والمنهج الدراسيّ، أو حتّى في طريقة تعاملي معهم؟وأكّدت أ.رزق أنّ رسالتها إلى المعلّمين أن يكونوا متعلّمين مدى الحياة، وأن يواصلوا التطوّر والتجدّد المستمرّ ّعلى الصعيد المهنيّ. أمّا على الصعيد الشخصيّ، فعليهم أن يستعيدوا عافيتهم ورفاهيتهم. وأينما وجدوا ما يمنحهم الراحة فليفعلوه. إذا كنتِ تجدين راحتك في التسوّق فافعلي ذلك، وإذا كنتِ تجدينها في تجديد خزانة ملابسك فافعلي ذلك، وإذا كنتِ ترغبين في العناية بنفسك فافعلي ما يجعلك تشعرين بالراحة. المهم أن تعودي بطاقة إيجابية تبدئين بها عامك الدراسيّ؛ لأنّ بين يديك أطفالًا، وهؤلاء الأطفال هم المستقبل. وإذا لم نهتم بهم ونعطهم من قلوبنا، فحينها لا خير في الأمر.وأكّدت أ. الفقهاء أنّ التعليم من أعظم المهن على الإطلاق. ووجّهت تحيّة كبيرة لكلّ المعلّمين، لأنّ المعلّم إنسان استثنائيّ، قادر على التعامل في اللحظة نفسها مع ما لا يقلّ عن عشرين طالبًا، إضافة إلى أولياء أمورهم. فشكرًا جزيلًا لكلّ المعلّمين، وأتمنّى لهم كل التوفيق. وأقول لكلّ معلّم: إذا لم تستطع أن تكون معلمًّا، فكن إنسانًا. نحن قدوة لأطفالنا في كلّ شيء. كثيرًا ما نلاحظ أنّ الأطفال يقولون: معلّمتي قالت كذا، أو معلّمتي تفعل كذا، أو أستاذي يفعل كذا. فهم يقلّدوننا باستمرار.وأحيانًا عندما نسأل الطفل: لماذا فعلت ذلك؟ يجيب: لأنكِ تفعلين ذلك. ولهذا فنحن قدوة كبيرة لهم، وأتمنّى ممّن لا يستطيع القيام بهذا الدور أن يعيد التفكير في استمراره في مهنة التعليم ختمت أ. غانم بتمنّيها للجميع إجازة صيفيّة هانئة تحمل وافرًا من الراحة والتجدّد والنموّ. وشكرت المُشاركات على مداخلاتهم المهمّة، والجمهور على تفاعله واستفساره.

ندوة: التعليم الشعبيّ.. مداخل وتجارب وتحدّيات

عقدت "منهجيّات" ندوتها لشهر أيّار/ مايو 2026، بعنوان "التعليم الشعبيّ: مداخل وتجارب وتحدّيات". وركّزت على ثلاثة محاور، هي: 1. تفكيك مفهوم التعليم الشعبيّ والتعرّف إلى منطلقاته. 2. استكشاف التجارب الواقعيّة والممارسات التطبيقيّة. 3. التحدّيات التي تواجه التعليم الشعبيّ، وآفاقه المستقبليّة. استضافت الندوة مجموعة من المتحدّثين، هم: أ. عبد السلام خدّاش، ناشط في المجال التربويّ والمجتمعيّ والثقافيّ - فلسطين؛ أ. سيرين حليلة، ناشطة ثقافيّة وباحثة وممارسة في العمل المجتمعيّ - فلسطين/ الأردن؛ أ. رهف أبو ضحى، محاضرة رئيسة في مساق "أهل" ومتخصّصة في التنظيم المجتمعيّ والتعلّم الشعبيّ - الأردن؛ أ. صفيّة الوافي، وكيلة مدرسة "نعمة رسام" للبنات ومعلّمة علوم - اليمن. أدارت الندوة د. جمانة الوائلي، الباحثة في سوسيولوجيا التعليم والعدالة الاجتماعية لمرحلة ما بعد الدكتوراه. واستهلّت الندوة بالتعريف بـ "منهجيّات" بوصفها مجلّة تربويّة إلكترونيّة دوريّة موجّهة لكلّ العاملين في القطاع التربويّ في السياق المجتمعيّ. تعمل المجلّة على نشر المساهمات العربيّة والعالميّة المثرية والملهمة دوريًّا، وبأشكال تعبير مختلفة ووسائط متعدّدة، وتتابع المستجدّات في الحقل، وتشجّع الحوار الذي يثري التجربة التربويّة في العالم العربيّ، ويجعل منها مصدرًا إنسانيًّا ومعرفيًّا قيّمًا للأفراد والمؤسّسات. ودعت جمهور الندوة إلى متابعتها والمشاركة في أقسامها. وفي بداية الحديث، أشارت د. جمانة الوائلي إلى أنّ الندوة تنطلق لتسليط الضوء على مفهوم التعليم الشعبيّ بوصفه ممارسة جماعيّة تحرريّة تتجاوز الأطر التقليديّة للتعليم، وتأتي في ظلّ أزمات وحروب تعصف بالعالم وتتطلّب مقاومة للإبادة المعرفيّة. وأوضحت أنّ الفكرة ظهرت في أواخر ستينيّات القرن الماضي مقرّرًا تدريسيًّا وأسلوبًا للوعي النقديّ على يد الفيلسوف التربويّ البرازيليّ باولو فريري، في سياق تعليم الفقراء والمهمّشين سياسيًّا في بلاده. ويختلف التعليم الشعبيّ عن التعليم الرسميّ وغير الرسميّ بكونه جهدًا جماعيًّا يتطلّب مشاركة عالية، حيث يذوب التمييز التقليديّ بين المعلّم والمتعلّم، ويصبح لكلّ فرد القدرة على اتّخاذ القرار بشأن مسار تعلّمه. واستعرضت أبرز النماذج الواقعيّة الملهمة للتعليم الشعبيّ، وفي مقدّمتها تجربة فلسطين خلال الانتفاضة الأولى بين سنتي 1989 و1990، وتجربة البرازيل المستلهمة من فريري، مؤكّدةً سعي "منهجيّات" لاستكشاف كيف تتحوّل الممارسة التعليميّة في سياقات النزاع والنزوح الطارئة إلى أداة صمود ومقاومة وإعادة بناء للمعنى. المحور الأوّل: تفكيك مفهوم التعليم الشعبيّ والتعرّف إلى منطلقاته ما مفهوم التعليم الشعبيّ، وكيف يمكننا ترجمته اليوم على أرض الواقع؟ ناقش أ. عبد السلام خدّاش المفهوم موضحًا أنّ ما يميّز التعليم الشعبيّ هو كونه نابعًا من الناس ولأجلهم؛ فالمفاهيم العاديّة تأتي في الغالب نظريّاتٍ جاهزة ثم تُطبّق على المجتمعات، حتّى أفكار باولو فريري نبعت أصلًا من ارتباطه بالناس. وأكّد أنّ تجربة التعليم الشعبيّ في فلسطين شكّلت نموذجًا تعليميًّا فريدًا وأحد أشكال النضال الوطنيّ؛ لأنّه لم يكن مجرّد تعليم أكاديميّ بل كان تعليمًا من أجل الحياة. ففي ظلّ الانتفاضة الأولى، استعاد الناس زمام المبادرة والسيطرة على شؤونهم، وجاء التعليم الشعبيّ عملًا مشتركًا ضمن سياق مجتمعيّ متكامل، يتحرّر من قيود المناهج المفروضة، ليتعلّم الجميع معًا ممارساتهم اليوميّة تشاركًا من أجل البقاء. كيف ننقل هذا التعريف إلى مساحات التقاطع بين الفنّ والتعليم؟ فكّكت أ. سيرين حليلة المصطلح برؤية نقديّة، مشيرةً إلى أنّ مصطلح التعليم الشعبيّ (Popular Education) المنقول من الإسبانيّة عبر الإنجليزيّة، يعاني عدم انسجام في صياغته العربيّة. فالكلمة الأولى "Education" لطالما ارتبطت في وعينا وسياق وزاراتنا بـ"التربية والتعليم"، قبل أن يُختزل المفهوم لاحقًا بـ"التعليم" وحده، ويغيب الشقّ التربويّ الحاضن للتعلّم. أمّا الكلمة الثانية ،"Popular" ففضّلت استبدالها بمفهوم "الأهليّ" مستندةً إلى مراجعات د. منير فاشه؛ فالأهالي هم أصحاب القضيّة وحماة المجتمع والأطفال. وبناءً على ذلك، يصبح المفهوم الأدقّ هو "التربية والتعليم الأهليّ"، والذي ينطلق أساسًا من معرفة الناس وخبراتهم التراكميّة، ويتعامل مع المعلّمين والمتعلّمين بصفتهم أهلًا يتشاركون حماية مجتمعهم وتطويره. كيف نستخدم هذا المفهوم والنمط أداةً تدعم العمل الميدانيّ والممارسات المجتمعيّة؟ داخلت أ. رهف أبو ضحى مبيّنةً انحيازها إلى استخدام مصطلح "التعلّم الشعبيّ" بدلًا من التعليم، تلافيًا للثنائيّة التقليديّة التي تفترض وجود ملقّن ومتلقّ، في حين أنّ التعلّم الحقيقيّ يحدث بأسلوب تشاركيّ وتبادليّ. وأوضحت أنّ التفكير في أنّ التعلم الشعبيّ أداة للتنظيم المجتمعيّ، جاء نتيجة مراجعة نقديّة للأنظمة التعليميّة الرسميّة، والتي تخرّج أفرادًا يفتقرون إلى مهارات الحياة الأساسيّة، مثل: العمل الجماعيّ، والتفكير النقديّ، والتساؤل، والقدرة على تأمّل التجارب الذاتيّة لتغيير الواقع. وأضافت أنّ هذا المفهوم نُقل عمليًّا إلى ساحة الحملات المطلبيّة، مثل حملة "قُم مع المعلّم" التي ناضلت لأجل الحقوق العمّاليّة للمعلّمات، في مواجهة دوائر قهر متعدّدة تلتقي مع أدبيّات فريري. وعن ترجمة هذا المفهوم إلى أدوات حيّة، أشارت إلى تعدّد الممارسات؛ فمنهم من وظّف المسرح، ومنهم من ربطه بمواسم الحصاد والتجارب المجتمعيّة التشاركيّة. وفي سياق عملهم، ركّزوا على استثمار مساحات النقاش المنظّمة التي تجعل من التجربة الشخصيّة للمشارك معلّمًا أساسيًّا، وتدفع نحو "صحوة تحرّر" واعية تُفضي إلى تغيير السلوك الفرديّ والمجتمعيّ، ومواجهة المخاوف من السلطة، وبناء الثقة المشتركة. المحور الثاني: التجارب الواقعيّة والممارسات التطبيقيّة كيف ترتبط العلاقة بين التعليم الشعبيّ والوعي النقديّ التحرريّ في الممارسة العمليّة؟ توسّعت أ. رهف أبو ضحى في هذه الفكرة مستندةً إلى هيكليّة الجلسات التي ينفّذونها، وضربت مثالًا بكيفيّة التعامل مع مفهوم "السلطة والتسلّط"؛ حيث تبدأ الجلسة بسرد قصص واقعيّة من تجارب المشاركين وخبراتهم الصعبة. تلي ذلك مرحلة تلخيص المحتوى، ثمّ تمرين "إعادة صياغة المفاهيم"، حيث يقوم المشاركون أنفسهم، وليس الميسّر، بإعادة تعريف التسلط بناءً على وعيهم الجمعيّ. بعد صياغة المفهوم، يطرح كلّ مشارك سؤالًا نقديًّا، وهو ما يعزّز مهارة التساؤل التي كانت تواجه صعوبات في البداية نتيجة النمط التعليميّ السائد. هذه الأسئلة تصبح هي "الأجندة" الفعليّة للنقاش، لتنتهي الجلسة بالتزام كلّ فرد بتغيير سلوكيّ محدّد في حياته اليوميّة إذا ما واجه التسلط مجدّدًا. وأكّدت أنّ هذه الرحلة التي تمتدّ عبر 8 جلسات منظّمة ومبنيّة على موضوعات يختارها المشاركون، تصنع تغييرًا ملموسًا على صعيد الأسرة، والعمل، والعلاقات، وهو جوهر الوعي التحرريّ الذي يعيد صياغة الواقع بسياق منظّم ومبنيّ على الإنصات المتبادل. كيف ينعكس هذا النموذج في سياق المدارس والبيئات التعليميّة خلال الأزمات؟ تحدّثت أ. صفيّة الوافي عن واقع التجربة اليمنيّة، مشيرةً إلى أنّ التعليم الشعبيّ ظهر استجابةً متأخّرة أملتها ظروف الحرب القاسية في محافظة تعز، والتي تضرّرت بشدّة وشهدت موجات واسعة من النزوح. ومع توقّف المدارس تمامًا ونزوح الكوادر التدريسيّة، لم يعد التعليم الشعبيّ ترفًا نظريًّا بل تحوّل إلى آليّة عمليّة وتطوّعيّة للبقاء قادها أبناء المجتمع المحليّ والمثقّفون لحماية الأجيال من الجهل والتجنيد. وفصّلت المراحل على الشكل الآتي: 1. استشعار الأزمة وجمع الطلّاب: خطوة إنقاذ أولى.على الرغم من إغلاق مدرسة "نعمة رسام" التي تستوعب أكثر من 7000 طالبة بسبب الحرب، تحرّكت قلّة من التربويّين لجمع الطالبات والشباب المتبقّين في المدينة لمنع تسرّبهم نحو التجنيد أو النمطيّة. 2. فتح المساحات البديلة: لتجاوز تدمير البنية التحتيّة وإغلاق المؤسّسات، فتح المجتمع المحلّي المساجد، والمنازل، وأُنشئت خيام تعليميّة في أحياء بعيدة عن الضوضاء ومناطق الخطر لاستئناف الدراسة. 3. إدماج التعليم بالمهارات الحياتيّة: دمج المعرفة بالبقاء، فلم يقتصر التعليم على المناهج الصرفة، بل تطوّع المتخصّصون لدمج التعليم بالأنشطة العمليّة التي تفرضها ظروف الحرب، مثل تعليم الطالبات الخياطة، الرسم، والإسعافات الأولية. 4. ابتكار حلول للمشكلات المعيشيّة: استدامة دامت 3 سنوات، نجحوا فيها في خلق بدائل مجتمعيّة لمواجهة انقطاع الرواتب، وغياب الكهرباء، وانهيار الخدمات الأساسيّة الصرف الصحّيّ. وعقّبت د. جمانة الوائلي على هذه التجربة الملهمة بالقول: "إذًا، تغيّرت العلاقة بين المعلّم والمتعلّم من علاقة ثنائيّة تلقينيّة تقليديّة، إلى مجتمع تعلّم حقيقيّ يتعلّم فيه الطرفان معًا على أرض الواقع". وأكّدت أ. صفيّة الوافي هذا التحوّل، موضحةً أنّ تضافر الجهود المجتمعيّة والشبابيّة حوّل المتطوّعين إلى ميسّرين للعملية التعليميّة، يربطون المعرفة بواقع الحياة اليوميّة ويصنعون روابط أسريّة ومجتمعيّة متينة تسهم في استمرار التعليم في أصعب الظروف. ما أوجه التشابه والافتراق بين هذه التجربة وتجربة الانتفاضة الأولى في فلسطين؟ ناقش أ. عبد السلام خدّاش تجربة فلسطين الفريدة، لافتًا إلى أنّ كلمة "التعليم الرسميّ" تشبه في دلالتها الفرد الذي يرتدي "زيًّا رسميًّا" يلتزم فيه بالأصول الجافّة، بينما تكمن جماليّة التعليم الشعبيّ في انعتاقه من هذه الرسميّة. وأوضح أنّ تجربة فلسطين في الانتفاضة الأولى انبثقت كلّيًّا من المبادرات الشعبيّة والأهليّة، وجاءت ردّ فعل مباشر على سياسة الاحتلال الرامية لتجهيل المجتمع عبر إغلاق المدارس. وأضاف أنّ التعليم في فلسطين كان يدار بالكامل من قِبل سلطات الاحتلال التي فرضت رقابة صارمة تمنع مجالس الطلبة ومجلاّت الحائط، وتفرّغ المناهج من أيّ مضامين تحرّريّة. وحين اندلعت الانتفاضة، سعى كلّ فرد لترجمة نضاله من خلال مجاله: فحين كان الاحتلال يسمح بالمؤتمرات الصحفيّة التي تشجب إغلاق المدارس شكليًّا، قام المعلّمون والناس بخطوة جوهريّة تمثّلت في "تحرير تعبيرهم" وتطبيق التعليم الشعبيّ في الحارات، والمساجد، وتحت الأشجار. واستعادت المجموعات الشعبيّة السيطرة الكاملة على العمليّتين التعليميّة والفنّيّة بعيدًا عن رقابة المحتلّ. كما تميّز هذا النمط بتجاوز التلقين والبنكيّة؛ إذ لم يلتزموا بالمنهاج المقرّر حرفيًّا، بل ربطوا تعليم اللّغة العربيّة والرياضيات بواقع الثورة، والاستقلال، وقصص الحياة اليوميّة، ما دفع سلطات الاحتلال لاحقًا إلى إعادة فتح المدارس، بعد أن أدركت فقدانها السيطرة التامّة على عقول الطلبة في الفضاءات الشعبيّة. المحور الثالث: التحدّيات التي تواجه التعليم الشعبيّ والمجالات والآفاق المستقبليّة كيف تتشكّل العلاقة التكامليّة بين التعليم الأهليّ والفنون أداةً للمقاومة المعرفيّة؟ استكملت أ. سيرين حليلة الحديث بطرح مثالين حيّين من التجربة الفلسطينيّة. تمثّل الأوّل في لجان الأحياء والحارات إبّان الانتفاضة الأولى، عندما أغلقت المدارس وتعطّلت الخدمات البلديّة تمامًا، فتشكّلت لجان حارات لإدارة شؤون الحياة والدراسة والنظافة والزراعة المنزليّة لمواجهة حظر التجوّل الطويل. والسمة الأبرز في هذه اللّجان كانت كسر الهرميّة؛ إذ كانت تضمّ الأطفال والشباب والمسنّين (من عمر 17 إلى 80 سنة)، يجلسون معًا لاتّخاذ القرار وتقاسم المسؤوليّات. وهذا يرسّخ فكرة أنّ التعلم الأهليّ ممارسة وفعل حقيقيّ لا يقتصر على الوعي النقديّ النظريّ، بل يتبعه فعل ثمّ تأمّل في حلقة دائريّة مستمرّة ومسيّسة تمنح الناس قوّة المبادرة. أمّا المثال الثاني، فيرتبط بتأسيس "فرقة الفنون الشعبيّة الفلسطينيّة" سنة 1979، والتي بدأت بمبادرة من مجموعة أصدقاء في سياق استعادة التراث الشعبيّ وحمايته من الطمس. وعدّت أ. سيرين هذه الفرقة مدرسة تعلّميّة حقيقيّة تخرّج فيها مئات الشباب؛ حيث كانوا يتعلّمون الدبكة والأغاني بالنزول إلى القرى وتوثيقها من الأهالي، ثم يطوّرون أدواتهم المسرحيّة بالممارسة والبحث. ولم تقتصر التجربة على الفنّ، بل كانت مساحة لتعلّم الحوار الديمقراطيّ، وقبول الاختلاف، والالتزام بقرار الأغلبيّة، ثمّ مراجعة النتائج وتعديلها. وهو ما يفسّر استمرار الفرقة وعطائها الممتدّ لقرابة خمسين سنة. وعقّبت د. جمانة الوائلي مؤكّدةً أنّ دوائر التعلّم الشعبيّ أو الأهليّ تجاوزت حفظ التعليم لتصبح فعل مقاومة وصمود وهويّة بحدّ ذاتها في ظروف الحروب والنزوح، محتضنةً الفنون والتجارب الحياتيّة جنبًا إلى جنب مع العلوم. ثمّ توجّهت بالسؤال إلى أ. صفيّة الوافي حول دور المعلّم في المدرسة، وكيف برز الفرق بين النمطين التقليديّ والشعبيّ؟ أوضحت أ. صفيّة الوافي أنّ دور المعلّم في سياق التعليم الشعبيّ في اليمن، تحوّل جذريًّا بفعل المبادرات المجتمعيّة؛ فمع غياب المعلّمين الأساسيّين وانقطاع الرواتب والخدمات، تسابق المتطوّعون لفتح المساجد والمخيّمات، ولم يمارسوا دور المعلّم الملقّن، بل دمجوا المناهج بالأنشطة والتجارب الحياتيّة والمهنيّة الصعبة، واضعين البدائل العلميّة لكلّ مشكلة واجهت المجتمع في تلك الفترة. من واقع التجربة الميدانيّة، كيف ينتقل أثر التعلّم الشعبيّ ومبادئه إلى داخل الغرف الصفيّة الرسميّة؟ شاركت أ. رهف أبو ضحى تجربتها الشخصيّة، مستعيدةً ذكريات طفولتها في ريف دمشق ونفورها المبكر من "التعليم البنكيّ" القائم على التلقين. وذكرت كيف كان لوالديها دور في كسر هذا النمط بالتنسيق مع معلّمتها في الصفّ الثاني، والتي كانت تسمح لها بالخروج للعب تحت المطر لدقائق تلبيةً لشغفها قبل العودة إلى الصفّ، وهو ما يمثّل مرونة ووعيًا مبكرًا بضرورة تلبية احتياجات الطفل الإنسانيّة. وعن انتقال هذه الفلسفة إلى عملها ميسّرةً مع المعلّمات، أوضحت أنّ المعلّمات اللّواتي انخرطن في رحلات التعلّم الشعبيّ نقلن ممارسات نوعيّة إلى بيئاتهنّ الصفيّة: 1. تشارك الأعراف والقواعد: أصبحت المعلّمات يضعن قواعد الصفّ بمشاركة الطلاّب أنفسهم في بداية الفصل، ما ولّد لدى الطلبة مسؤوليّة ذاتيّة لحمايتها. 2. تشجيع مهارة التساؤل: تفعيل ثقافة السؤال داخل الصفّ وهدم فكرة "السؤال الغبيّ"، ما حفّز التفكير النقديّ لدى الطلّاب. 3. تطوير طرق نقل المعرفة: تحويل المناهج المقرّرة من قوالب جامدة إلى تجارب حيّة قائمة على اللّعب، والزراعة، واختبار الجغرافيا عمليًّا. وأشارت إلى أنّ الحملة بدأت سنة 2017 بـ 55 معلّمة، وتضمّ اليوم قرابة 3600 معلّمة يمارسن أدوات التعلم الشعبيّ والعمل الجماعيّ والديمقراطيّة الصفيّة بشكل مستقلّ، ما يمنح أملًا حقيقيًّا في جعل التعليم مساحة لبناء مهارات التعامل الإنسانيّ وحلّ النزاعات، وليس فقط لحفظ المناهج. كيف يتحدّد الفرق الجوهريّ بين دور المعلّم في المنظومة الرسميّة ودوره ميسّرًا في التعليم الشعبيّ؟ ناقش أ. عبد السلام خدّاش الفروق الهائلة بين التعليم المُمأسس والتعليم الشعبيّ؛ فالتعليم الرسميّ تملكه مؤسّسة، مثل الوزارة، تقدّم منهاجًا جاهزًا ومقرّرًا من قِبل كبار يفترضون أنّهم أفهم من الصغار. ويقوم دور المعلّم فيه على شحن عقول الطلبة بالحفظ والتلقين. وذكر تجاربه مع معلّمات الصفّين الحادي عشر والثاني عشر اللّواتي يقلن له: "كل ما تحكيه على عيننا ورأسنا، لكن امتحانات التوجيهيّ قائمة على التلقين، وإذا علّمنا الطلاب النقد والتحليل فلن ينجحوا"، ما يضطرّ الطلّاب إلى حفظ المادّة وتفريغها في الامتحان، ثمّ تمزيق الكتب مع انتهاء العام، لانتهاء علاقتهم بالمعرفة. وأوضح أنّه في المقابل، يتجلّى دور المعلّم في التعليم الشعبيّ مُيسّرًا يتبادل المعرفة مع المشاركين؛ إذ لا يوجد منهاج فوقيّ، بل ينطلق الدرس من قصص الناس وحياتهم اليوميّة، مثل: ماذا حدث معك اليوم؟ هذا النمط يدمج المعرفة بما يُعرف اليوم بـ "مهارات الحياة"، والتي أكّد أ. عبد السلام أنّه اكتسبها شخصيًّا من واقع الحياة في المخيّم، ومجموعات نقاش الكتب التي علّمته احترام رأي الآخر والإنصات. في حين أنّ التعليم الرسميّ غالبًا ما يعجز عن تقديم حلول للمشكلات الواقعيّة. وأوضح أنّ تركيزه الحاليّ ينصبّ على العمل مع الخرّيجين الجدد في المراكز المجتمعيّة لابتكار أدوات تخلق دافعيّة التعلّم الذاتيّة لدى الطلّاب، لمواجهة الفاقد التعليميّ الهائل في فلسطين، بدلًا من إعادة إنتاج أساليب التدريس الرسميّة الجافّة؛ فالتعليم الشعبيّ يقوم أساسًا على علاقة تبادليّة تتوفّر فيها الدافعيّة لدى المعلّم والمتعلّم معًا. وعقّبت د. جمانة الوائلي بالتساؤل عمّا إذا كان قرار التعلّم الشعبيّ يتطلّب بنية مؤسّسيّة متكاملة ليدوم، بدلًا من كونه مجرّد قرار فرديّ. أجاب أ. عبد السلام خدّاش بأنه إذا تُرِك الأمر للمؤسّسة الرسميّة بصيغتها الحاليّة فلن يتحقّق التغيير الجوهريّ، ودعا المؤسّسات التربويّة المعاصرة إلى إعادة قراءة تجربة المربّي الفلسطينيّ خليل السكاكيني في عشرينيّات القرن الماضي، واستلهام المدارس الفلسطينيّة القديمة التي كانت تقوم على احترام كرامة المعلّم واستقلاليّة الطالب، بدلًا من الاكتفاء باستيراد تجارب غربيّة، مثل فنلندا والنرويج، وتجاهل النماذج الأهليّة الملهمة الغنيّة بدافعيّة التعلّم. وفي السياق نفسه، طرحت د. جمانة الوائلي سؤالًا نقديًّا استقبلته من الجمهور: هل يمكن لاستراتيجيّات التعليم الشعبيّ أن تمكّن المتعلّمين من استيعاب القواعد العلميّة العامّة والضروريّة لاستكمال تعليمهم بعد المدرسة؟ وأكّد أ. عبد السلام خدّاش أنّ التعليم الشعبيّ قادر تمامًا على ذلك، مشيرًا إلى أنّ هذا السؤال يمسّ جوهر المقارنات الدائرة بين النظامين الرسميّ والشعبيّ؛ فبينما تحصر وزارات التربية والتعليم رؤيتها في شعارات، مثل "تهيئة طالب يؤمن بوطنه"، يجدر بها ترك المساحة للطالب ليكتشف اهتماماته الحقيقيّة. واستشهد بمقولة تربويّة تفيد بأنّ "التعليم إشعال للنار داخل المتعلّم، وليس إطفاءً للحريق"، منتقدًا المدارس الحاليّة التي تعمل بوصفها "مطفئة حريق" تقمع أيّ رغبة خارجيّة للاستكشاف، مثل منع طالبة من اللّعب تحت المطر، وتجبر الطلاّب على نمط جامد يمتدّ من الصباح حتّى الظهيرة للحصول على ترتيب طبقيّ (الأوّل والثاني). وضرب مثالًا تجربة "يراعات" التابعة لمؤسّسة تامر للتعليم المجتمعيّ، والتي ركّزت على الكتابة الإبداعيّة والتأمّلية؛ حيث اكتشف بعض اليافعين بعد سنوات من الانخراط في المجموعة، أنّهم لا يحبّون الكتابة، وهو ما اعتُبر نجاحًا باهرًا للتجربة لأنّها ساعدتهم على اكتشاف ذواتهم واهتماماتهم البديلة. وأوضح أنّ جوهر التعليم الشعبيّ يكمن في خلق الأجواء والبيئات التي تساعد على استكشاف الإمكانيّات الهائلة والمتباينة للطلاّب، بدلًا من صهرهم في كتاب واحد، وامتحان واحد، وعلامات متطابقة. مواجهة شحّ الموارد وإعادة تعريف "الوفرة" طرحت د. جمانة الوائلي تساؤلًا وجّهته إلى أ. صفيّة الوافي حول كيفيّة التعامل مع غياب الإمكانيّات والموارد الضروريّة لتأطير العمليّة التعليميّة، مستحضرةً نموذج مدرسة "نعمة رسام" في اليمن خلال الحرب والنزوح. أوضحت أ. صفيّة الوافي أنّ العمل بأكمله قام على التطوّع، وأنّ المتطوّعين الجدد طوّروا أفكارًا قديرة مستوحاة من الواقع الميدانيّ للتغلب على الانعدام التام للسبّورات، والطباشير، والأقلام، والدفاتر، والوسائل التعليميّة التقليديّة. حيث كان المعلّم والمتعلّم يتحاوران في اليوم الأوّل لتصميم درسهما في اليوم التالي بلا موارد، واقتباس تجارب العلوم والكيمياء من موادّ الحياة اليوميّة البسيطة، بأسلوب تشاركيّ جعل المتعلّم معلّمًا والمعلّم متعلّمًا. وأضافت أنّ هذه الظروف منحت الطلاب قوّة وشجاعة أثبتت أنّ الحرب لا تضع الإنسان في عجز بل في صمود؛ لدرجة أنّ الطلاّب كانوا يجمعون من مصروفهم البسيط لشراء وسائل إيضاح أساسيّة. واستعرضت نماذج عمليّة لمواجهة غياب الخدمات: 1. بدائل الإضاءة: الاعتماد على الشموع والمصابيح البسيطة داخل الخيام التعليميّة، وتبرّع الأسر الميسورة بالطاقة الشمسيّة لصالح مساحات التعلّم. 2. إعادة التدوير: جمع الكراتين الفارغة من الشوارع والدكاكين، وتحويلها إلى وسائل تعليميّة بصريّة لطلاّب الصفوف الأولى (الأوّل والثاني والثالث) الذين يحتاجون إلى تجسيد مادّيّ للمعلومات. وعقّبت أ. سيرين حليلة على هذه النقطة برؤية مغايرة لمفهوم "الشحّ والوفرة"، مؤكّدةً أنّ ما يراه البعض شحًّا ماليًّا هو في الحقيقة وفرة في موارد أخرى بديلة لا نراها، لأنّنا اعتدنا النظر إلى اتّجاه واحد. واستدلّت بدراسة مرجعيّة أجرتها مؤسّسة تامر سنة 1989 (إبّان الانتفاضة الأولى)، لتقييم التحصيل المدرسيّ في اللّغة العربيّة والرياضيّات لطلبة الصفّين الرابع والسادس الابتدائيّ في كافة مناطق الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، في ظلّ إغلاق الاحتلال المتواصل للمدارس. وجاءت نتائج الدراسة لتكشف عن ثلاثة استنتاجات شكّلت فلسفة عملهم اللاحقة: 1. تحصيل طلبة الصفّ الرابع كان أفضل من الصفّ السادس، على الرغم من الغياب الطويل عن المقاعد الدراسيّة. 2. تدنّي التحصيل في الرياضيّات مرتبط بضعف الفهم اللّغوي والسياقيّ، وليس بالقدرة الحسابيّة المجرّدة (حيث تنخفض نسبة الإجابات الصحيحة بمقدار 30% فور تحويل المسألة الحسابيّة إلى مسألة لغويّة وقصّة واقعيّة). 3. المفاجأة الأكبر تمثّلت في تطابق نتائج التحصيل للطلّاب الذين داوموا 60 يومًا فقط، بفعل الإغلاقات مع نتائجهم في سنوات الدوام الكامل (200 يوم) قبل الانتفاضة. وبناءً على هذه المؤشّرات، ركّز التعلّم الأهليّ على "التعبير بكافة أشكاله" أصلًا للفهم والوعي، من دون حصر التعليم في المنهج المدرسيّ الضيّق، وفتح المساحات للتأمّل والتجريب، مستشهدةً بتجربة الباحث الحكواتيّ الراحل حمزة العقرباويّ الذي لم ينخرط في مسارات أكاديميّة تقليديّة، لكنّه من خلال الشغف والتعلّم التبادليّ في "مشروع حكايا"، نجح على مدار عشر سنوات في جمع التاريخ الشفويّ وقصص الأماكن والأشخاص، ملهِمًا قطاعات واسعة من المجتمع بما تعجز المدارس عن تعليمه بنصف وقتها. ودعت سيرين المدارس إلى الانفتاح على المجتمع بصفتهم أهلًا وموظّفين وطلّابًا يمثّلون معلّمين حقيقيّين، مؤكّدةً أنّ أيّ معرفة علميّة (فيزياء أو كيمياء) لا ترتبط بفعل وسياق خارجيّ مصيرها النسيان. استدامة التعلّم الأهليّ وتحدّيات البنية المؤسّسيّة وردًّا على تساؤل د. جمانة حول مدى استدامة هذا النموذج وقدرته على إحداث تأثير طويل المدى، أكّدت أ. رهف أبو ضحى إمكانيّة الاستدامة بربط المفهوم بالتمويل. وأوضحت أنّ تجارب منطقتنا التاريخيّة، من الانتفاضة إلى حرب اليمن، أثبتت قدرة الشعوب على التعلّم عبر التكافل الاجتماعيّ وإيجاد البدائل دون ارتهان للمؤسّسات والتمويل الخارجيّ. وأعطت مثالًا بحلقات التعلم الشعبيّ التي نظّمتها المعلّمات الـ 55 في بيوتهنّ، حيث اتُّفقَ على عدم إثقال كاهل المضيفة بأكثر من فنجان قهوة سادة، فكان المورد الحقيقيّ هو البيت والإنصات المتبادل. واستحضرت فلسفة المربّي خليل السكاكيني في جعل محيط المدرسة حديقة وعالمًا تفاعليًّا ينظّفه الطلّاب ويمارسون فيه الأنشطة. كما أشارت إلى تجربة "الملتقى التربويّ العربيّ" الذي استمرّ على الرغم من اتّخاذ قرار إغلاقه كمؤسّسة سنة 2013، بفضل مبادرات الشباب الذاتيّة في تنظيم "المجاورات" والتجوال والسفر في الضفّة الغربيّة بلا تمويل، مشدّدةً على أنّ الاستدامة تتطلّب صدقًا من الميسّر باعتباره متعلّمًا شريكًا يتبنّى قيم باولو فريري في تحويل التأمّل إلى سلوك واعي. وفي مقاربته للصعوبات الميدانيّة التي تحول دون المشاركة الفعليّة للمتعلّمين، شخّص أ. عبد السلام خدّاش الأزمة في بنية المؤسّسات التعليميّة المركزيّة ذاتها؛ موضحًا أنّ المؤسّسات المعاصرة تعجز عن إنتاج متعلّمين متحرّرين نظرًا إلى غياب الممارسة الفعليّة للحرّية ضمن المؤسّسة، فضلًا عن قيام المدرسة بسحب دور المجتمع والأهالي في التربية واحتكار المعرفة. وأضاف خدّاش مفارقة صادمة مستندة إلى دراسة ميدانيّة حول البيئة التعلّميّة، كشفت عن ارتفاع معدّلات العنف داخل البيوت؛ وعند فحص الأسباب تبيّن أنّ "المدرسة هي المصدّر الأساسيّ لهذا العنف" بسبب عبء الواجبات المدرسيّة والمنهاج المتكدّس، ما يحوّل الأمّهات قسرًا إلى معلّمات يمارسن الضغط والتوتر على الأبناء لإنهاء المواد. وجاءت أطروحات المتحدّثين لتلخّص التحدّيات والحلول في النقاط الآتية: وجه المقارنة منظومة التعليم الشعبيّ والأهليّ (المجتمعيّ) المنظومة التعليميّة الرسميّة (المركزيّة) الدافعيّة والالتزام طوعيّ وذاتيّ (يقوم على الرغبة والشغف بممارسة الفنون والرياضة والأنشطة). إلزاميّ وقسريّ (ينتج نفورًا لدى الطلاّب منذ الصفوف الأولى). محور العمليّة قائم على السؤال والنقد والتحليل واستكشاف إمكانيات الذات. قائم على الجواب الجاهز والتلقين لحماية سلطة النظام وهيبته. مصير المعرفة مستدام ويرتبط ببناء مهارات الحياة وفهم الذات ومن ثم فهم العالم. ينتهي أثرها بانتهاء امتحانات "التوجيهيّ" وتفريغ المعلومات وتمزيق الكتب. وأشار أ. عبد السلام خدّاش إلى وجود خوف بنيويّ لدى السلطات التعليميّة والمؤسّسيّة من التعليم القائم على السؤال، لأنّ الطالب المتحرّر والناقد سيرفض الأنظمة الجامدة وينتقد المدرسة في أوّل خطوة. ودعا إلى عدم استنساخ تجربة التعليم الشعبيّ الفلسطينيّ حرفيًّا لكونها وليدة سياق نضاليّ خاصّ واجه إغلاقات الاحتلال وعقوباته، بل استلهام جوهرها المتمثّل في احترام كرامة المعلّم. وأكّد (مستندًا إلى 6 دراسات تتبّعيّة من عام 1989 حتى العام الحاليّ 2026) أنّ مشكلة التعليم الكبرى لا تُحلّ بتغيير المناهج أو تكرار التدريب، أو تكرار الدراسة لأنّ النتائج ستُعيد نفسها، بل بإعادة الاعتبار لكرامة المعلّم وتقديره، والعودة إلى نماذج تاريخيّة أصيلة مثل مدارس السكاكيني بدلًا من استيراد نماذج غربيّة جاهزة. دمج النموذج الشعبيّ في الأنظمة المستقرّة والتعليم الرقميّ وفي سؤال مركزيّ طرحته د. جمانة حول إمكانيّة تحويل استراتيجيّات التعلّم الشعبيّ من خطّة طوارئ بديلة إلى بنية أصيلة ومدمجة في الأنظمة المستقرّة، جزمت أ. سيرين حليلة بنجاح الأمر، مؤكّدة وجود الكثير من التربويّين في المدارس والجامعات الذين يطبّقون فكرة "المجاورة"بمبادرات فرديّة، حيث يتجاور المعلّم مع الطلاّب بوصفهم جيرانًا شركاء في الوعي والخبرة. وانتقدت سيرين إدارات التعليم إبّان جائحة كورونا التي هرعت نحو "التعلّم عن بُعد" وتجاهلت "التعلّم عن قُرب"؛ إذ كان المعلّمون والطلّاب متواجدين في العمارات والحارات نفسها، وكان يمكن تقسيمهم في مجاورات تعلّميّة حيّة بدلًا من حشر الأطفال وتكبيلهم أمام الشاشات والأيباد وإرهاق الأسر، فقط تلبيةً لقيود إداريّة تفرض دوام المعلّم في مدرسة محدّدة لاستحقاق راتبه. وهذا الانفتاح هو ما طبّقته أ. صفيّة الوافي في اليمن؛ حيث نجحت مدرستهم في تحويل الأنشطة الميدانيّة الطارئة، مثل تعليم الفتيات الخياطة، والرسم، والتدبير، والصيانة، والحدادة لمساعدة الأسر ماليًّا ومواجهة الفقر، إلى ممارسات ومناهج ثابتة ومستمرّة حتّى بعد تفكّك قيود الحرب والعودة إلى المبنى المدرسيّ. بل امتدّ الأثر لافتتاح مراكز صيفيّة ومشاغل خياطة ومعارض رسم مستقلّة خارج أسوار المدرسة تديرها الخرّيجات، بالإضافة إلى تطوير مسار "التعليم الرقميّ". وفي ما يخصّ تقاطع التكنولوجيا مع التعلّم الشعبيّ، أكّدت أ. رهف أبو ضحى ضرورة الاستمرار في الاستثمار في "القرب الإنسانيّ والمجاورات الحقيقية على الأرض"؛ معتبرةً أنّ التكنولوجيا السريعة قد تسرق منّا قيمة العيش المشترك، فضلًا عن كون تجارب التعلّم الشعبيّ الناجحة منذ سنة 2017 وحتّى اليوم، بُنيت واختُبرت على الأرض وليس عبر الإنترنت. وشاطرها أ. عبد السلام الرؤية ذاتها، موضّحًا أنّ المشكلة ليست في أدوات التعلّم عن بعد أو الأزمات مثل كورونا، بل في البنية التلقينيّة التي تجعل الطالب عُرضة لفاقد تعليميّ هائل فور حدوث أيّ طارئ. بينما لو بُني التعليم على البحث والاستنتاج، لامتلك الطالب آليات ذاتيّة للوصول إلى المعرفة وتحليلها برفض قيود المؤسّسة الرسميّة ومقاومتها، مستشهدًا بكلمة غاندي: "أنا مستعدّ أن أفتح نوافذي لأيّ شيء بشرط أن أكون ثابتًا على الأرض". والثبات هنا هو قدرة الطالب على فهم ذاته واستكشاف إمكاناته لتترك له المدرسة مساحة حلّ مشكلاته بنفسه. خاتمة الندوة وآفاق العدالة الاجتماعيّة عبّرت د. جمانة الوائلي في ختام هذه المناقشات الثريّة، عن رؤيتها الاستشرافيّة لمستقبل هذا النمط التعليميّ البديل؛ إذ أشارت إلى أنّها، وعلى الرغم ممّا قد يبدو في نظرتها من تفاؤل مفرط أو طابع ورديّ، ترى في التعلّم الشعبيّ حلًّا مستدامًا لمشكلات التعليم المعاصر. هذا الحلّ يرتكز أساسًا على خلق الوعي النقديّ، وتمكين المتعلّم من تبادل الأدوار مع الميسّر ليكون هو الآخر معلّمًا، والمضيّ معًا على قدم المساواة والتكافؤ لبناء مجتمع تعلّميّ حقيقيّ يقطع دابر التلقين والبنكيّة. وأضافت د. جمانة أنّها تُثمن وتدعم فكرة التحاور الإنسانيّ المباشر وجهًا لوجه أصلًا في العمليّة التعليميّة، مع التأكيد على أنّ التكنولوجيا ليست أداة سلبيّة بالضرورة، بل يمكن استثمارها بذكاء لتعزيز التعلّم الشعبيّ وتوسيع نطاق أثره. وأكّدت أنّ الهاجس الأكبر والسؤال الذي سيبقى حيًّا لديها ولدى جمهور "منهجيّات"، هو البحث الدائم عن العدالة الاجتماعيّة من وراء التعلّم، والسعي لجعل التعلّم الشعبيّ أداة حقيقيّة لإنتاج هذه العدالة التي تغيب مع الأسف عن الكثير من مدارسنا ومؤسّساتنا التعليميّة التقليديّة. واختتمت ميسّرة الندوة بالتأكيد على الخلاصات المشتركة التي طرحها المتحدّثون؛ ومفادها أنّ ديمومة هذا النمط تتطلّب بالضرورة تحوّلًا يتجاوز الجهود الفرديّة للمعلّم أو الميسّر نحو بناء تعاون مؤسسيّ متكامل، وتوفير التمويل والدعم اللازمين لتصدير فكرة التعلّم الأهليّ والشعبيّ منهجيّةً بنيويّةً ومستدامة داخل أنظمتنا ومؤسّساتنا التربويّة العربيّة.

مساحة تعبيريّة مفتوحة للمعلّمين والمختصّين، تتمحور حول عرض أفكار ووجهات نظر نقديّة وأحلام شخصيّة انطلاقًا من تجربة تعليميّة، ولا تتوقّف عند ذلك.

المعلّم والتكنولوجيا: من لا يتطوّر يُستبدل
لم يعد النقاش حول العلاقة بين المعلّم والتكنولوجيا ترفًا فكريًّا أو موضوعًا مستقبليًّا، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على التعليم في مختلف الس... تابع القراءة
حين تصبح الرياضيّات جزءًا من الحياة: الوظيفة البيتيّة مساحةً للفضول والتفكير
لطالما ارتبط تعلّم الرياضيّات في أذهان التلاميذ بالصفّ والكتاب والدفتر، وكأنّها معرفة تنتهي بانتهاء الحصّة. غير أنّ تجربتي في التعليم دفع... تابع القراءة

حوار مباشر مع معلّمات ومعلّمين، يتمّ بالإجابة عن مجموعة أسئلة عن الحياة في المدارس، وتجارب مختلفة وتحدّيات يوميّة. كلّ المعلّمين مدعوّون إلى المشاركة في الدردشة لنقل آرائهم ومقارباتهم الخاصّة.

منال تميم - معلّمة - قطر/ لبنان

ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتك إلى التعليم؟ غيّرت الحروب والأزمات المختلفة في العالم العربيّ نظرتي إلى التعليم من جذورها. ولم يكن هذا التحوّل نظريًّا فقط، بل نابعًا من تجربة شخصيّة عشتها منذ صغري؛ إذ عرفتُ الحرب عن قرب، وأعرف تمامًا ماذا يعني الخوف والفقد، وعدم اليقين في سنوات الطفولة الأولى. لذلك لم يعد التعليم بالنسبة إليّ مجرّد مهنة أمارسها كلّ صباح، ولا مسارًا أكاديميًّا نقيسه بالدرجات والنتائج، بل صار فعلًا إنسانيًّا أعيشه يوميًّا مع الأطفال، وأشعر بثقله ومسؤوليّته في كلّ لحظة.في الصفّ، أرى في عيون المتعلّمين أسئلة لا تُطرح دائمًا بالكلمات: عن الخوف والفقد واللا يقين، وعن معنى أن يكبر الإنسان في عالمٍ مضطرب. هنا أدركت أنّ دوري لا يقتصر على شرح الدروس، بل أن أكون مساحة أمان، وصوت طمأنينة، وشريكة في الفهم والبحث عن المعنى. تعلّمتُ من الأزمات أنّ المعرفة وحدها لا تحمي الأطفال، وأنّ القيم هي ما يحفظ إنسانيّتهم: أن يتعلّموا كيف يُصغون، وكيف يختلفون من دون عنف، وكيف يرون الآخر بوصفه إنسانًا لا تهديدًا. صرتُ أكثر حرصًا على تعليمهم التفكير النقديّ والحوار والتعاطف، لأنّي أؤمن أنّ هذه المهارات هي ما يمنع إعادة إنتاج الأزمات نفسها في المستقبل.لم يعد هدفي الأوّل أن أُنجز المنهج في موعده، بل أن أُنجز الإنسان في داخله. أن أساعد المتعلّم على أن يفهم نفسه قبل أن يحفظ الدرس، وأن يثق بقدرته على التغيير مهما كان الواقع قاسيًا. هكذا أصبحت التربية بالنسبة إليّ رسالة حياة، وبناءً يوميًّا للأمل، في وجه عالمٍ يختبر إنسانيّتنا كلّ يوم. ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ لماذا؟ أتمنّى لو يعرف صنّاع القرار أنّ المعلّم اليوم لا يحمل المنهج فقط، بل يحمل معه أعباءً نفسيّة وإنسانيّة وتربويّة، تفوق ما يظهر في الخطط والوثائق الرسميّة.أتمنّى لو يرون المعلّم لا بوصفه منفّذًا للسياسات، بل شريكًا حقيقيًّا في صناعة المستقبل، يعيش يوميًّا تفاصيل الصفّ، ويختبر أثر كلّ قرار في وجوه الأطفال قبل أن يظهر في التقارير. أتمنّى لو يعرفون أنّ المعلّم يعمل في مساحة مليئة بالتناقضات: بين متطلّبات المناهج، وضغوط التقييم، واحتياجات الطلبة المتنوّعة، وتوقّعات الأهالي، وفي كثير من الأحيان من دون دعمٍ كافٍ أو صوتٍ مسموع في دوائر القرار.نحن لا نطلب امتيازات، بقدر ما نطلب ثقة، ومساحة للحوار، واعترافًا بأنّ جودة التعليم تبدأ من كرامة المعلّم واستقراره المهنيّ والنفسيّ. وأتمنّى، قبل كلّ شيء، أن يدرك صنّاع القرار أنّ أيّ إصلاح تعليميّ لا يُبنى مع المعلّمين محكوم عليه بالفشل. فالمعلّم هو من يترجم الرؤى إلى واقع، وهو من يرى أثر السياسات في الطفل الحقيقيّ، لا في النموذج النظريّ. لذلك، حين يُنصَت إلى صوت المعلّم، يصبح الإصلاح ممكنًا، ويغدو التعليم فعلًا جماعيًّا لا قرارًا أحاديًّا. هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟ لا، لم يعد الكتاب المدرسيّ في صفّي المصدر الأساسيّ للتعليم، وإن كان ما زال موردًا من موارد كثيرة أستعين بها في تخطيط التعلّم. في فلسفة البكالوريا الدوليّة، ينطلق التعلّم من الفكرة المركزيّة، والمفاهيم الكبرى، وأسئلة الاستقصاء، لا من تسلسل صفحات الكتاب. لذلك أتعامل مع الكتاب بوصفه أداة داعمة، لا إطارًا مُلزِمًا يحدّ تفكيري أو يقيّد مسار التعلّم.في برنامج السنوات الابتدائيّة PYP نُصمّم التعلّم حول الاستقصاء القائم على المفاهيم، حيث يقود المتعلّم أسئلته، ونبني الفهم عبر التفاعل، والبحث، وربط التخصّصات، لا عبر تلقّي محتوى جاهز. هذا يعني أنّ مصادر التعلّم في صفّي متنوّعة: نصوص أصيلة، مصادر رقميّة، تجارب عمليّة، زيارات ميدانيّة، ومشاريع أدائيّة تُترجم الفهم إلى فعل.دور المعلّم هنا ليس نقل المعرفة من الكتاب إلى الدفتر، بل تسهيل التعلّم، وبناء بيئة تسمح بالتساؤل، والتجريب، والتأمّل، وفق مبادئ التعلّم البنائيّ، وملامح المتعلّم في IB مثل التفكير، والانفتاح الذهنيّ، وتحمل المسؤوليّة. في هذا الفضاء، لا شيء يحدّ المعلّم: لا الكتاب، ولا الخطّة الجامدة، بل تحكمنا فقط نيّة التعلّم، وعمق الفكرة، وحاجات المتعلّمين. هل سبق وفكّرتِ بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلك تبقى؟ لا، لم أفكّر يومًا بالاستقالة من المهنة، ليس لأنّ الطريق سهل، بل لأنّني ببساطة لا أرى نفسي خارج التعليم. أنا متيّمة بهذا العمل، وأشعر أنّه جزء من هويّتي قبل أن يكون وظيفة. ولو عاد الزمن إلى الوراء، لاخترت أن أكون مُعلّمة من جديد، وبالذات في قسم اللغة العربيّة، لأنّ علاقتي باللغة ليست علاقة مادّة تُدرَّس، بل علاقة روح ومعنى وانتماء. ما يجعلني أبقى هو إيماني العميق بأنّ مهنة التعليم موهبة قبل أن تكون مهارة؛ موهبة نولد ببذرتها، ثم نطوّرها ونُمكّنها بالتعلّم والتجربة والتأمّل.في الصفّ أشعر أنّني أضع هذه الموهبة في مكانها الصحيح: أفتح للمتعلّمين بابًا ليحبّوا اللغة، ويثقوا بها، ويشعروا أنّها جزء من قوّتهم وهويّتهم، لا عبء عليهم. أكثر ما يلامسني لحظة يكتشف فيها طفل قدرته على التعبير: عندما يكتب جملة أجمل ممّا كان يتوقّع، أو يقرأ بثقة بعد تردّد، أو يجد كلمة تصف شعوره بدقّة. هذه اللحظات الصغيرة هي التي تجعلني أعود كلّ يوم وأنا مقتنعة أنّ هذا العمل يستحقّ.والسبب الأعمق أنّ التعليم يجعلني "متعلّمة مدى الحياة". أنا لا أعلّم فقط، أنا أتعلّم باستمرار: من أسئلة الأطفال، ومن اختلافاتهم، ومن حاجتهم إلى من يراهم ويؤمن بهم. كلّ عام دراسيّ يضيف إليّ طبقة جديدة من الفهم، ويجعلني أراجع طرقي، وأطوّر أدواتي، وأبحث عن معنى أعمق للتعلّم. لذلك أبقى، لأنّ التعليم بالنسبة إليّ ليس مهنة أؤدّيها، بل رسالة أعيشها، ومسار نموّ لا يتوقّف، وفرصة يوميّة لصناعة أثرٍ جميل في حياة إنسان صغير قد يغيّر العالم بطريقته. ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعي؟في عصر الذكاء الاصطناعيّ، لم يعد حفظ المعلومات أهمّ مهارة ندرّب المتعلّم عليها، لأنّ الوصول إلى المعرفة بات متاحًا بضغطة زرّ، بل أصبحت الأولويّة هي لبناء إنسان قادر على التفكير والاختيار، والحكم الأخلاقيّ، والتعلّم المستمرّ.في مقدّمة هذه المهارات يأتي التفكير النقديّ: أن يتعلّم المتعلّم كيف يميّز بين المعلومة الصحيحة والمضلّلة، وكيف يسأل عن المصدر والغاية والتحيّز، لا أن يكتفي باستقبال الإجابات الجاهزة. تلي ذلك مهارة طرح الأسئلة العميقة، لأنّ جودة الأسئلة هي ما يوجّه استخدام الذكاء الاصطناعيّ، ويمنح المتعلّم القدرة على قيادة التعلّم بدل أن يُقاد به. كما تصبح مهارات ما وراء المعرفة أساسيّة: أن يعرف المتعلّم كيف يتعلّم، وكيف يراقب تفكيره، ويقيّم استراتيجيّاته، ويطوّرها. في فلسفة البكالوريا الدوليّة، ندرّب المتعلّم على الاستقلاليّة، والتنظيم الذاتيّ، وتحمل المسؤوليّة عن تعلّمه، وهي مهارات تحميه من التبعيّة العمياء للتكنولوجيا، إلى جانب ذلك، تبرز القيم الإنسانيّة بوصفها مهارات لا تقلّ أهمّيّة عن المهارات المعرفيّة: التعاطف والتعاون، والقدرة على الحوار، واحترام التنوّع؛ لأنّ الذكاء الاصطناعيّ مهما بلغ تطوّره لا يمتلك ضميرًا أخلاقيًّا، ولا حسًّا إنسانيًّا. هنا يصبح دور المدرسة أن تُنمّي الحكم الأخلاقيّ، واتّخاذ القرار المسؤول، وفهم أثر أفعالنا في الآخرين وفي العالم.وأخيرًا، تبقّى مهارة التعلّم مدى الحياة هي الإطار الجامع لكلّ ما سبق: أن نُخرّج متعلّمًا مرنًا وفضوليًّا، قادرًا على التكيّف مع عالم يتغيّر أسرع من أيّ منهج. في هذا العصر، لا نُعدّ المتعلّم لوظيفة محدّدة، بل نُعدّه ليكون إنسانًا قادرًا على التعلّم المستمرّ، والتفكير الواعي، والعمل المسؤول في عالم تقوده التكنولوجيا ويحتاج فيه الإنسان إلى إنسانيّته أكثر من أيّ وقت مضى. ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟ شدّ انتباه المتعلّمين بالنسبة إليّ لا يبدأ بالصوت المرتفع ولا بالأنشطة السريعة، بل يبدأ بالمعنى. أهمّ استراتيجيّة أعتمدها هي أن أجعل المتعلّم يشعر أنّ ما نتعلّمه يخصّه ويهمّه، وله علاقة بحياته وأسئلته وتجربتها. أبدأ غالبًا بسؤال محفّز أو موقف إشكاليّ يوقظ الفضول: صورة، جملة ناقصة، موقف من الواقع، أو تحدٍّ بسيط يدفعهم إلى التفكير قبل أن أقدّم أيّ شرح.في الاستقصاء القائم على المفاهيم، الفضول \بوابة الانتباه الأولى، لذلك أحرص على أن يكون مدخل التعلّم سؤالًا لا إجابة، أعتمد كثيرًا على استراتيجيّات التفكير المرئيّ مثل See–Think–Wonder، وI Used to Think… Now I Think، وChalk Ta لأنها تنقل المتعلّم من التلقّي إلى المشاركة، وتجعل التفكير نفسه حدثًا مرئيًّا داخل الصفّ. حين يرى الطفل فكرته مكتوبة أو مرسومة أمامه، يشعر أنّه جزء من الدرس لا مجرّد متلقٍّ له. كما أحرص على تنويع أنماط التعلّم: عمل فرديّ، نقاش ثنائيّ، مجموعات صغيرة، حركة ولعب أدوار، لأنّ الانتباه لا يُحافَظ عليه بالطريقة نفسها طوال الوقت. في PYP، نؤمن بأنّ التعلّم النشط مفتاح التركيز الحقيقيّ. ولا أستطيع أن أفصل شدّ الانتباه عن العلاقة الإنسانيّة. المتعلّم ينتبه حين يشعر أنّ المعلّم يراه ويسمعه، ويقدّر صوته. لذلك أبني انتباهي على الثقة والاحترام، وروح الأمان في الصفّ، لأنّ الطفل الذي يشعر بالأمان هو طفل مستعدّ للانتباه والتعلّم.باختصار، استراتيجيّتي الأساسيّة هي أن أحوّل الدرس من حدث أقدّمه إلى تجربة نعيشها معًا، حيث يصبح الفضول محرّك الانتباه، ويصبح المتعلّم شريكًا حقيقيًّا في بناء التعلّم. هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟ أتمنّى لو لم نعد نستخدم تعبير "ضبط الصفّ"، بل لو استبدلناه بتعبير "إدارة الصفّ". فالفارق بين الكلمتين ليس لغويًّا فقط، بل فلسفيّ وتربويّ عميق. أنا لا أرى مهمّتي أن أضبط الصفّ بمعنى أن أقمع الأصوات، أو أفرض الصمت، أو أُخضع المتعلّمين للنظام بالقوّة، بل أن أُدير فضاءً حيًّا للتعلّم، يتيح التفكير والحوار والاختلاف، والنموّ في تجربتي، الصفّ الهادئ ليس بالضرورة صفّا ناجحًا. أحيانًا يكون الهدوء علامة خوف أو انسحاب أو تعلّم سطحيّ. أمّا الصفّ الناجح فهو صفّ مليء بالحياة: فيه همس المجموعات، ونقاش وتجريب، وحركة منظّمة، وأسئلة تُطرَح من دون تردّد. الضجيج هنا ليس فوضى، بل دليل انخراط، ودليل تعلّم. أركّز كثيرًا على عوالم المجموعات، لأنّ العمل التعاونيّ يعلّم الأطفال كيف يصغون، وكيف يختلفون باحترام، وكيف يبنون الفكرة معًا. في هذا السياق، تصبح إدارة الصفّ قائمة على بناء ثقافة، لا فرض قوانين: ثقافة الحوار والمسؤوليّة، والاحترام المتبادل. الأساس في ذلك هو الاتّفاقات الصفّيّة التي نبنيها معًا في بداية العام: لا أفرضها جاهزة، بل نناقشها، نصوغها، ونتّفق عليها عقدًا أخلاقيًّا بيني وبين المتعلّمين. هذه الاتّفاقات لا تنظّم السلوك فقط، بل تحمي حرّيّة التعبير، وتضمن أن يكون لكلّ صوت مكان، ضمن إطار من الاحترام والمسؤوليّة. لذلك، حين أفكّر في إدارة الصفّ، أفكّر في كيف أفتح الآفاق لا كيف أُغلقها؟ كيف أُنظّم الحرّيّة لا كيف أُلغِيها؟ وكيف أبني بيئة يتعلّم فيها الطفل أن يضبط نفسه بنفسه، لا أن يُضبَط من الخارج؟ هنا، تصبح إدارة الصفّ أحد أسس نجاح التعلّم الحقيقيّ، لا مجرّد وسيلة للسيطرة على السلوك. ما الذي يجعلك تضحكين في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ لماذا؟ ما يجعلني أضحك في المدرسة على الرغم من الضغوط هو علاقتي اليوميّة مع الطلّاب. في زحمة المهام والتخطيط والتقييم، تبقى وجوههم وأصواتهم هي المساحة التي أستعيد فيها نفسي. أفرح حين يأتون ليخبروني عن تفصيل صغير في حياتهم، عن نجاح حقّقوه، أو خوف تجاوزوه، أو فكرة اكتشفوها فجأة. هذه الأخبار البسيطة هي ما يخفّف ثقل اليوم، ويعيد إلى عملي معناه الأوّل، أضحك حين أراهم يفرحون بإنجازاتهم، مهما كانت صغيرة، لأنّي أعيش هذا الفرح وكأنّه فرحي الشخصيّ.أشعر أحيانًا أنّ علاقتي بهم تشبه علاقة الأمّ بأطفالها: أراقب خطواتهم الأولى في القراءة، ثمّ ثقتهم وهم يكتبون، ثمّ قدرتهم على التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم. أراهم يكبرون أمام عيني، لا في العمر فقط، بل في النضج والشجاعة والاستقلاليّة. وبما أنّني معهم في تفاصيل حياتهم اليوميّة، فأنا أتابع تغيّرهم، وألاحظ تطوّرهم، وأدرك أنّ هذا النموّ لا يُقاس بالعلامات فقط، بل بالثقة التي يكتسبونها، وباللغة التي يجدونها لأنفسهم، وبالقدرة على أن يكونوا أنفسهم داخل الصفّ؛ لهذا أضحك، لأنّني في كلّ يوم أرى أثر عملي حيًّا في إنسان صغير ينمو. هذا الإحساس هو ما يجعلني أتحمّل الضغوط، ويمنحني طاقة الاستمرار، ويذكّرني أنّ التعليم، في جوهره، علاقة حياة قبل أن يكون مهنة. أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأتهِ في صفحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟ من أكثر المقالات التربويّة التي أثّرت بي تلك التي تتناول فكرة أنّ جوهر التعليم ليس في ما نُدرِّسه، بل في من نصنع. المقالات التي تربط بين الممارسة الصفّيّة وبناء الإنسان، لا بين الممارسة الصفّيّة ونتائج الامتحانات فقط، هي التي تترك في داخلي أثرًا طويل المدى.أعجبني خصوصًا كلّ مقال يطرح سؤالًا صادقًا عن دور المعلّم: هل نحن ناقلو معرفة أم بُنَاة إنسان؟ هذه الكتابات جعلتني أراجع نفسي مرارًا، وأتأمّل في تفاصيل عملي اليوميّ: في الطريقة التي أطرح بها السؤال، وفي المساحة التي أتركها لصوت المتعلّم، وفي نوع القيم التي أبنيها من دون أن أصرّح بها، ما يجذبني في هذه المقالات أنّها لا تقدّم وصفّات جاهزة، بل تفتح مساحات تفكير. مقالات تتحدّث عن التعلّم العميق، وعن الاستقصاء القائم على المفاهيم، وعن دور العلاقة الإنسانيّة في التعلّم، وعن أنّ الصفّ ليس مكانًا لنقل المحتوى، بل فضاء لبناء الهويّة والمسؤوليّة، والقدرة على الاختيار.أعجبني هذا النوع من الكتابة لأنّه يشبهني أنا المعلّمة: لا يبحث عن الحلّ السريع، بل عن المعنى العميق. ولأنّه يذكّرني دائمًا بأنّ أفضل مقال تربويّ هو ذاك الذي لا يجعلني أغيّر خطّة الدرس فقط، بل يجعلني أغيّر نظرتي إلى الطفل، وإلى نفسي، وإلى معنى أن أكون مربّية في زمن متغيّر. إذا كتبتِ يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ لماذا؟ لو كتبتُ يومًا كتابًا عن تجربتي في التعليم، لاخترت له عنوانًا:"حين يُصبح الصفّ بيتًا"أختار هذا العنوان لأنّ الصفّ بالنسبة إليّ لم يكن يومًا غرفة دراسيّة فقط، بل كان دائمًا مساحة حياة تشبه البيت: فيها الأمان، والدفء، والاختلاف، والفرح، والتعب، والنموّ البطيء الذي لا يُقاس بالأرقام بل بالعلاقات. في هذا الصفّ، لا أستقبل متعلّمين فقط، بل أستقبل أطفالًا يحمل كلّ واحد منهم عالمه الخاص: مخاوفه، أحلامه، أسئلته، وقصّته الصغيرة التي تتشكّل كلّ يوم.مع الوقت، يتحوّل الصفّ إلى بيتٍ ثانٍ، أرافق فيه هؤلاء الأطفال في تعلّمهم، وفي تعثّرهم، وفي لحظات اكتشافهم الأولى لأنفسهم وللعالم. أرى في عيونهم بداية اللغة، وبدايات الثقة، وبدايات القدرة على أن يقول الإنسان: “أنا أستطيع”. هنا أفهم أنّ دوري لا يقتصر على تقديم الدرس، بل على مرافقة النموّ الإنسانيّ بكلّ هشاشته وقوّته في آنٍ واحد.هذا العنوان يعبّر عن قناعتي بأنّ التعلّم الحقيقيّ لا يحدث في بيئة باردة أو قائمة على الخوف، بل في فضاء يشعر فيه الطفل أنّه مرئيّ، ومسموع، ومقبول كما هو. حين يصبح الصفّ بيتًا، يجرؤ الطفل على السؤال، وعلى الخطأ، وعلى المحاولة من جديد. وحين يشعر بالأمان، يبدأ التعلّم العميق، وتبدأ الشخصيّة في التشكّل ببطء وثبات.وأختاره لأنّه يلخّص علاقتي بالمهنة. أنا لا أدخل الصفّ لأقدّم محتوى فقط، بل لأبني علاقة، ولأخلق بيئة تشبه العائلة التربويّة الصغيرة، حيث نتعلّم كيف نعيش معًا قبل أن نتعلّم كيف ننجح، وكيف نحترم اختلافنا قبل أن ننافس على الدرجات، وكيف نكبر من دون أن نفقد إنسانيّتنا في الطريق.لهذا، لو كتبتُ كتابًا يومًا، فسيكون عن الصفّ الذي يصير بيتًا حين نمنحه قلوبنا قبل عقولنا. عن المكان الذي نتعلّم فيه كيف نطمئنّ، وكيف نجرؤ على الحلم، وكيف نكبر ونحن نشعر أنّ لنا زاوية آمنة في هذا العالم المضطرب. سيكون عن تربية تُزرَع في الصمت، وعن تعليم يظلّ حيًّا في الأرواح طويلًا بعد أن تُغلَق الدفاتر، وعن أطفال يمضون في الحياة، وهم يحملون شيئًا من هذا الصفّ في داخلهم… كأنّه بيت أوّل علّمهم كيف يحبّون الحياة.

سامي موسى الخليفات- اختصاصيّ مبحث اللغة العربيّة- الأردن

ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتك إلى التعليم؟ أؤمن أنّ الحروب والأزمات تصنع جيلًا مختلفًا عمّا سبقه، والسبب أنّ الحرب تخلق تحدّيًا سافرًا للإنسان، وتدفعه إلى البحث عن نجاة ليظلّ على قيد الحياة. فقد وجّهت التعليم نحو الوعي بالتحدّي الخطير أمام هذه الأمّة الذي يهدّد استمرارها في الوجود الإنسانيّ. ووجدت أنّ التعليم يمكنه توجيه هذا الوعي إلى مصادر الخطر والتحدّي، والتخطيط لتجاوزها. ما الذي تتمنّى لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ لماذا؟ لو أنّ صنّاع القرار على مقربة حقيقيّة من المعلّم، في المدرسة، وفي البيت، والحياة العامّة. إذ يستحق المعلّم كثيرًا من الرفاه والاهتمام باعتباره صانعًا حاذقًا للحياة. المعلّم يعاني فقرًا عاطفيًّا، وهو بحاجة إلى التعزيز والدعم النفسيّ والعاطفيّ؛ لأنّه يقود إلى الإبداع والابتكار. هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟ إلى حدّ ما، يظلّ الكتاب المدرسيّ المفتاح الكبير الذي يمهّد الطريق لتعلّم أوسع، وأعتقد أنّه المدخل الرئيس الذي يمكنه توجيه المتعلّم إلى التعلّم الذاتيّ، وقيادته إلى أوعية معرفيّة مرموقة. لا أنكر أنّ الكتاب بدأ يخسر من مكانته الاعتباريّة في ظلّ التخمة الإلكترونيّة نحو مصادر تعلّم أخرى. هل سبق وفكّرت بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلك تبقى؟ بصراحة: نعم، مرّتين أو ربّما أكثر. كان حجم الضغوط كبيرًا، وكان الحقل التعليميّ بحاجة ماسّة إلى قوانين تنظيميّة، تنظّم سلوك المتعلّمين في إطار واضح يخدم العمليّة التعليميّة. أمّا ما جعلني أبقى فأمران: الحاجة إلى العمل من أجل الحياة، والثاني من الصعب أن أتخلّى عن هدف رسمته سابقًا، وكان تقديم رسالة عنوانها الوعي. ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟ أعتقد أنّه علينا أن ندرّبه على الاستعمال الأمثل للتكنولوجيا، ونسعى لدمجها في التعلّم بشكل إيجابيّ. ما أهمّ استراتيجيّاتك في شدّ انتباه المتعلّمين؟ التنوّع في الاستراتيجيّات التعليميّة والتقويميّة، الدعم النفس - اجتماعيّ، مراعاة أنماط المتعلّمين ودمجهم في بيئة تعليميّة متساويّة الفرص التعليميّة. هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟ لا بدّ من إدارة الصفّ الدراسيّ بفاعليّة ليتحقّق التعلّم، والاعتماد على مدوّنة السلوك الصفّيّ، وهي وثيقة شرفيّة تنظّم العلاقة بين المعلّم والمتعلّم والبيئة المدرسيّة، ويجب الاعتناء بها كثيرًا. أعني بالضبط الصفّيّ: الانسجام الفعليّ داخل الغرفة الصفّيّة وليس الضبط العنيف، بالتهديد والعقاب والتعنيف اللفظيّ. ما الذي يجعلك تضحك في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ لماذا؟ أضحك كثيرًا مع طلّابي، حول حواراتهم اليوميّة، أو سلوكيّاتهم العفويّة، وأضحك مع زملائي المعلّمين في مواقف طريفة، وأبتسم لنجاحات طلّابي أيًّا كانت. أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأته في صفحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟ ليس لي مكث طويل مع منهجيّات، أحسب نفسي جديدًا فيها. ولكنّي قرأت بعض مقالات الاستراتيجيّات التدريسيّة الحديثة في تدريس اللغة العربيّة وتقويم أداء الطلبة، في مواطن متنوّعة في الشبكة. إذا كتبت يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ لماذا؟ ربّما: يوميّات معلّم، أو مذكّرات تربويّة. يهدف إلى نقل التجربة الشخصيّة، والسبب هو إيماني العميق بأهمّيّة التعليم في صناعة الحياة.

صادق حسن الحسني- معلّم لغة عربيّة- اليمن

ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتك إلى التعليم؟ التعليم لا يقتصر على الفصول الدراسيّة، بل يشمل الفصول الافتراضيّة، واستخدام التكنولوجيا الحديثة في التعليم، وإلّا سيُحرم الجيل الحالي والأجيال القادمة من حقّها في التعليم، ولن تحصل على تعليم جيّد وشامل وعادل ومستدام. ما الذي تتمنّى لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ لماذا؟ يتمنّى المعلّمون أن يعرف صنّاع القرار حجم معاناتهم ومعاناة أُسرهم الناتجة عن انقطاع الرواتب لأكثر من تسع سنوات، وما سبّبه ذلك من عجز عن توفير متطلّبات التدريس الأساسيّة، بما في ذلك الحفاظ على مظهر لائق وتوفير احتياجات العمل اليوميّة، إلى جانب ما رافق هذه الظروف من اضطرابات نفسيّة وضغوط مستمرّة أثّرت في حياتهم الشخصيّة والمهنيّة. هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟ نعم، يعتبر المنهج المكتوب الأساس الذي يحتوي على المادّة العلميّة التي أعدّتها لجان التأليف أو التطوير وفق رؤى ومنهجيّات علميّة حديثة، ونتاجًا لدراسات وبحوث علميّة. وعدم توفّر الكتاب المدرسيّ يجعل الطالب مشتّتًا ذهنيًّا وفاقدًا للتوجيه والطريق الواضح الذي يسير عليه في تعلّمه. هل سبق وفكّرت بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلك تبقى؟ نعم، بسبب انقطاع المرتّبات وقسوة الظروف المعيشيّة، إذ لم أعد قادرًا على تلبية الحاجات الأساسيّة لي ولأسرتي. وما جعلني أستمرّ معلّمًا هو عدم توفّر فرص عمل أخرى بصورة مستمرّة. ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟ أهمّ ما يجب أن ندرّب عليه المتعلّم هو البحث عن المعلومة، وهندسة الأوامر، واختيار أدوات الذكاء الاصطناعيّ المناسبة لكلّ مهمّة. ما أهمّ استراتيجيّاتك في شدّ انتباه المتعلّمين؟ أهمّ استراتيجيّاتي استخدام القصص والأسئلة والفكاهة. أعتمد على القصص في توصيل الأفكار والقيم بطريقة قريبة من الطلبة، مثل قصّة جحا وولده والحمار التي توضّح أنّ "إرضاء الناس غاية لا تُدرك"، وقصّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم مع عمر بن الخطّاب أثناء أكل التمر، حين قال له: "عجبتُ لمن أكل التمر مع النواة"، إلى جانب قصص تحفيزيّة معاصرة، مثل قصّة الفتاة السعوديّة التي وضعت لنفسها هدفين في المرحلة الثانويّة: الحصول على المركز الأوّل على مستوى المملكة، وأن تصبح طبيبة أورام. كما أستخدم الأسئلة التي تفتح باب التفكير والتخيّل، مثل: "تخيّل"، و"تصوّر"، و"ماذا لو؟"، إلى جانب توظيف الفكاهة أثناء الشرح لجذب انتباه الطلبة وتخفيف التوتّر داخل الصفّ. هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟ لا، الأنسب هو إدارة الصفّ أو قيادة الصفّ، لأنّ مفهوم القيادة والإدارة أوسع من مجرّد الضبط. فالضبط يركّز غالبًا على إبقاء الصفّ هادئًا بفرض الالتزام والطاعة، بينما تقوم إدارة الصفّ على بناء علاقة تفاعل واحترام وتنظيم داخل البيئة التعليميّة، بما يساعد الطلبة في المشاركة والتعلّم من دون الاعتماد على أسلوب التسلّط أو الدكتاتوريّة. ما الذي يجعلك تضحك في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ لماذا؟ ما يجعلني أضحك في المدرسة، على الرغم من الضغوط، هو المواقف اليوميّة العفويّة بين المعلّمين والطلبة، خصوصًا تعاملات الزملاء المعلّمين مع بعض الطلبة المتنمّرين، وتصرفات الطلبة وتفاعلهم مع بعضهم بعضًا داخل الصفّ وخارجه. كما أنّ النكات والفكاهة تخلق أجواءً أخفّ داخل المدرسة، وتساعد في التخفيف من الضغوط والتوتّر اليوميّ. أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأته في صفحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟ أكثر مقال تربويّ أعجبني هو مقال "الكتاب المدرسيّ: من ركيزة بيداغوجيّة إلى أداة ثانويّة" للكاتب أنور الكوكي، وسبب إعجابي به أنّ الكاتب طرح فكرة مهمّة، مفادها أنّ النظام السياسيّ كلّما تغيّر يعمد إلى تغيير المنهج المدرسيّ والكتاب المدرسيّ، بما يتناسب مع توجّهاته وأفكاره. إذا كتبت يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ لماذا؟ إذا كتبت يومًا كتابًا عن تجربتي في التعليم، فسيكون عنوانه "التأليم في اليمن"، لما يضيفه التعليم من معاناة للمعلّمين والطلبة، وكذلك لأنّ أبناء تهامة والساحل الغربيّ ينطقون كلمة "التعليم" بإبدال العين همزة، فتأتي الكلمة قريبة من معنى الألم، وهو ما يعكس واقع التعليم والمعاناة المرتبطة به.

تتوجّه مقالات الوالديّة الى أهالي المتعلّمين المهتمّين بتعليم أبنائهم وتأمين نموّ سليم لهم على كلّ الصعد، حيث تتناول المقالات معظم القضايا المرتبطة بالتربيّة والسلوك والمواقف المختلفة.

مخاطر حسابات التواصل الاجتماعيّ للأطفال

في عصر التحوّل الرقميّ، لم تعد بداية حياة الطفل مرتبطة بلحظة ولادته فحسب، بل أصبحت ترتبط أيضًا بتشكّل بصمته الرقميّة التي قد ترافقه طوال حياته. فكثير من الآباء والأمّهات يبدؤون، منذ لحظة ولادة طفلهم، بتصويره ومشاركة صوره وفيديوهاته، في ما يُعرف بمصطلح Sharenting، وهو مزيج بين المشاركة Sharing والتربية Parenting. وقد يُنظر إلى هذه الممارسة على أنّها تعبير بريء عن الفرح بالمولود الجديد، إلّا أنّها تحوّلت مع الوقت إلى ظاهرة اجتماعيّة معقّدة، تطرح إشكاليّات حقيقيّة تتعلّق بحقوق الطفل، وحدود ممارسات الأبوّة والأمومة، وأخلاقيّات استخدام التكنولوجيا في العصر الرقميّ الشامل. ويؤكّد ذلك أنّ الأجيال الحاليّة باتت تكتسب هويّة رقميّة إلى جانب هويّتها الواقعيّة، الأمر الذي يضع كلّ أب وأمّ أمام تحدّيات غير مسبوقة. الولادة الرقميّة قد تبدأ الهويّة الرقميّة للطفل قبل ولادته الفعليّة، مع مشاركة صور الجنين بالموجات فوق الصوتيّة، أو حتّى إعلان الحمل على وسائل التواصل الاجتماعيّ، ما يعدّ مؤشّرًا على تحوّل جذريّ في مفهوم الطفولة. ومع رحلة الجنين وصولًا إلى الرضيع وإلى الطفل وإلى المراهق، تتزايد الصور التي يشاركها الآباء والأمّهات على الفضاء الرقميّ. هذا التراكم الرقميّ يستهدف إعداد سجلّ للذكريات العائليّة، ولكنّه يتسبّب في استخدام هويّة الأطفال في الاحتيال الإلكترونيّ، ما قد يؤثّر في حياة الطفل في المستقبل بشكل سلبيّ. التحدّيات الخفيّة لوجود هويّة رقميّة للأطفال تتعدّد التحدّيات المرتبطة بالهويّة الرقميّة للأطفال، ومنها: - استخدامها في الجريمة المنظّمة الرقميّة: لم تعد مشكلات الهويّة الرقميّة تقتصر على التنمّر أو التعرّض إلى الإحراج المستقبليّ، بل أصبحت جزءًا من منظومة إجراميّة منظّمة عابرة للحدود. فتجميع بيانات ملايين الأطفال يخلق هدفًا ثمينًا للقراصنة، قد تُباع ويُتلاعَب بها على الشبكة المظلمة. - تتحوّل الصورة البسيطة للطفل التي يشاركها الأب أو الأمّ إلى أداة للتلاعب، مثل صورة اليوم الأوّل في المدرسة، والتي على بساطتها قد تكشف موقع المنزل (من الخلفيّة أو العلامات)، والعادات اليوميّة (مثل وقت الذهاب إلى المدرسة)، وحتّى الإجابات المحتملة لأسئلة الأمان الخاصّة بحسابات الوالدين (مثل اسم الشارع الذي يقطنون فيه). وقد يستخدم المجرمون هذه المعلومات لإنشاء هويّات مزيّفة كاملة، أو لاستغلالها في عمليّات الاحتيال والابتزاز. - الاستنساخ بالذكاء الاصطناعيّ: قد تُسرق صور الأطفال وتُعرض على وسائل التواصل الاجتماعيّ. وتستطيع أدوات الذكاء الاصطناعيّ إنشاء نسخ مماثلة رقميّة من الأطفال، باستخدام عيّنة صوتيّة أو صورة واحدة فقط، ثمّ استخدامها لإيذاء الأسرة. - الاستهداف التسويقيّ: كلّ ما يُنشر عن الطفل من صور وفيديوهات يسهم في بناء هويّته الرقميّة منذ وقت مبكّر، ما يسمح بتتبّعه تسويقيًّا، وبناء صورة دقيقة عنه بوصفه مستهلكًا محتملًا مع تقدّمه في العمر. المسؤوليّة على مستوى الأسرة والفضاء الرقميّ تتطلّب التربية الرقميّة الواعية دورًا فاعلًا للأسرة، يتمثّل في الآتي: - المراقبة النشطة: تعني إدماج التربية الرقميّة في قاموس الأسرة، وتنمية الوعي لدى الطفل بالمخاطر المرتبطة بمشاركته في بناء هويّته الرقميّة، وذلك بمراقبة الوقت الذي يقضيه أمام الشاشات، وفهم طبيعة المحتوى الذي يتعرّض إليه، والتفاعلات التي يخوضها. كما أنّ مستوى وعي الأب والأمّ بما يشاركانه عن طفلهما، ومشاركتهما في تجربة عالمه الرقميّ، يسهم في شعوره بالأمان وبناء الثقة. - الحوار المستمرّ: ويقوم على مناقشة التجارب الرقميّة التي يمرّ فيها الطفل، بما يتيح له فهم مشاعره والمواقف التي يتعرّض إليها، وتنمية مهارات التعاطف والتواصل، وبالتالي تطوير قدرة أكبر لديه على التمييز بين الواقع والعالم الافتراضيّ. - الحدود الواضحة: لا بدّ من وضع قواعد واضحة ومرنة تحافظ على التوازن بين الحريّة والانضباط. فالأطفال الذين ينشؤون في بيئة تضع حدودًا واضحة للتفاعل الرقميّ، يُظهرون سلوكيّات اجتماعيّة أكثر توازنًا، وقدرة أكبر على التحكّم في انفعالاتهم. تعزيز حماية البيانات الشخصيّة، وذلك في مواقع التواصل الاجتماعيّ وغيرها، عن طريق: - تعزيز إعدادات الخصوصيّة الافتراضيّة: أي تحويل الإعدادات الافتراضيّة إلى الاختيارات الأكثر أمانًا، بدلًا من جعل المستخدم يبحث عنها ويغيّرها بنفسه. - تطوير تقنيّات المصادقة متعدّدة الخطوات: وذلك لحماية حسابات الأطفال من الاختراق. - زيادة شفافيّة قواعد جمع البيانات: أي جعلها مفهومة للآباء والأمّهات والأطفال. توصيات عمليّة يجب على الآباء والأمّهات تثقيف أنفسهم لحماية أطفالهم، والحرص على القيام ببعض الخطوات الضروريّة، مثل: - المشاركة الخاصّة وليس العامّة بما يشمل: 1. استخدام تطبيقات المراسلة المشفّرة بدلًا من وسائل التواصل الاجتماعيّ العامّة. 2. إنشاء مجموعات عائليّة خاصّة لتبادل الصور والفيديوهات الخاصّة بأطفالهم. 3. التنبيه على الأقارب والأصدقاء بعدم مشاركة صور الأطفال. - تعزيز الأمان الرقميّ بما يشمل: 1. تعطيل خدمات تحديد الموقع عند التقاط الصور. 2. استخدام تقنيّات إخفاء الوجه عند مشاركة صور للعامّة. 3. المراجعة الدوريّة لإعدادات الخصوصيّة على مواقع التواصل الاجتماعيّ. - بناء وعي رقميّ عائليّ بما يشمل: 1. إشراك الأطفال في قرارات مشاركة الصور والفيديوهات. 2. تعليم الأطفال مفاهيم الخصوصيّة الرقميّة، بما يناسب أعمارهم. 3. تقديم بدائل جذّابة للأطفال تغنيهم عن التفاعل الرقميّ. - المراقبة الاستباقيّة بما يشمل: 1. البحث بشكل دوريّ عن اسم الطفل على الإنترنت، لمتابعة ما يستجدّ. 2. استخدام خدمات مراقبة الهويّة الرقميّة. 3. التحقّق من وجود خروقات لسلامة الحسابات. *** وختامًا نقول إنّ الهويّة الرقميّة للطفل لم تعد مجرّد بصمة عاديّة، بل أصبحت إرثًا رقميًّا قد يشكّل فرص الطفل في التعليم والعمل، وحتّى بناء العلاقات الشخصيّة في المستقبل، وحماية هذا الإرث تتطلّب وعيًا كبيرًا. فالطفل الذي ينشأ في عالم رقميّ يحتاج إلى أدوات تمكّنه من بناء هويّته الرقميّة بعناية، لتصبح إيجابيّة وآمنة، وهذا لا يعني منعه من استخدام التكنولوجيا، بل تمكينه من السيطرة عليها، كي يكون قادرًا على حماية حقّه في الخصوصيّة، وحرّيّته في بناء سرديّته الخاصّة، وفي تشكيل شخصيّته الواقعيّة والرقميّة. ويكمن التحدّي الكبير في الموازنة بين خلق جيل جديد قادر على الاستفادة من إيجابيّات العالم الرقميّ، وتجنّب أخطار هذا العالم، جيل يستطيع بناء هويّته الرقميّة بوعي، وحماية خصوصيّته بمسؤوليّة، ويشارك بإيجابيّة في تشكيل مستقبله الرقميّ. وتتمثّل نقطة البداية في وعي الآباء والأمّهات، كونهم من يضعون حجر الأساس في تشكيل هذه الهويّة. المصادر - https://www.go.com.mt/blogs/how-to-protect-your-childs-digital-identity/ - https://www.bitdefender.com/en-au/blog/hotforsecurity/the-impact-of-sharenting-how-the-digital-identity-you-create-for-your-child-today-could-affect-their-future https://3qool.net/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%81%D9%84%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%84- %D8%B9%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%20%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%91%D9%84%D8%A7%D8%AA%20%D9%81%D9%8A%20%D9%84%D8%BA%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%84%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%88%D9%83 https://alarabinuk.com/%D8%AE%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D8%AD%D8%B0%D9%91%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A3/

إيجابيّات وسلبيّات تطبيقات مراقبة الأبناء

مثلما تطوّر الهاتف من مجرّد وسيلة للاتّصال إلى هاتف ذكيّ يحوي عالمًا متشابكًا، فإنّ هاتف الأب والأمّ تحوّل بالتبعيّة إلى لوحة تحكّم شبه كاملة، يحاولون بواسطتها متابعة حياة أطفالهم، وتوفير طبقة حماية افتراضيّة في عالم يحمل لهم تهديدات تتزايد كلّ يوم. هذا التحوّل تجسّد في بروز ظاهرة تطبيقات مراقبة الأبناء، والتي غزت مختلف دول العالم، حاملةً معها العديد من المزايا، مثل الاطمئنان المستمرّ على الأطفال، بجانب العديد أيضًا من الإشكاليّات المعقّدة، خصوصًا في ما يتعلّق بالحدود بين الحماية والخصوصيّة، وطبيعة العلاقات الأسريّة في العصر الرقميّ. المتابعة البسيطة أم المراقبة الشاملة للأطفال؟ شهد مفهوم الرقابة الأسريّة تحوّلًا جذريًّا في السنوات الأخيرة، إذ انتقل من مجرّد السؤال التقليديّ للطفل: "أين كنت؟" وصولًا إلى المراقبة المستمرّة بواسطة أنظمة تحديد المواقع. مع العلم أنّ هذه التطبيقات لم تعد تقتصر على رصد موقع الطفل، بل توسّعت لتشمل مراقبة قيادة السيّارة، وتتبّع النفقات، وفحص الرسائل، بل وحتّى القيام بالتسجيل الصوتيّ عن بُعد. وفي ما يتعلّق بهذه التطبيقات، يمكننا في أبسط تعريف أن نقسّمها إلى نوعَين أساسيَّين: الأوّل: تطبيقات التتبّع البسيطة التي تسمح للآباء والأمّهات بمعرفة مكان أطفالهم في الوقت الحقيقيّ. الثاني: تطبيقات المراقبة الشاملة التي تسمح بجمع بيانات غير محدودة من الهواتف المتّصلة بها، مثل مدّة النظر إلى الشاشة، وإدارة تطبيقات هاتف الطفل، وإدارة ما يشاهده على الإنترنت، وتأمين حساباته على المواقع المختلفة، وتلقّي إشعارات عن أنشطة الطفل على هاتفه. ويصل المدى الواسع من التحكّم الذي تتيحه بعض هذه التطبيقات، إلى حدّ السماح للوالدين بتشغيل الميكروفون المدمج في هواتف أطفالهم عن بعد، كما أنّ بعض التطبيقات تذكر صراحة ضمن مميّزاتها أنّها تحتوي على وضع التخفّي الذي يمنع الطفل من معرفة من يتابعه. عوامل انتشار تطبيقات مراقبة الأطفال يمكننا أن نعزو الانتشار الكبير لهذه التطبيقات إلى العديد من العوامل، منها على سبيل المثال: 1. تأثّر غريزة الحماية بالإعلام: قد يكون اعتماد الآباء والأمّهات الكبير على تطبيقات المراقبة والتتبّع ردّ فعل عاطفيّ ومفهوم، على الأخبار والقصص التي تُعرض باستمرار حول ما يُطلق عليه الأخطار الجسيمة التي يتعرّض إليها أطفالنا. وهنا نشير إلى أنّ العرض الدائم لهذه الأخبار، مع كونها حقيقيّة، يخلق حالة من هذا الخوف المُستدام على الأطفال، يغذّي الحاجة إلى حلول فوريّة، تجعل الأب والأمّ يشعران بالأمان على أطفالهما. 2. تعقيد الحياة العصريّة: تمثّل هذه التطبيقات حلًّا مثاليًّا لتنظيم الفوضى في البيوت، وذلك مع ازدياد انشغال الآباء والأمّهات، وتشعّب جداول المواعيد، وتعدّد الأنشطة المطلوبة، فهي تتيح البقاء على اطّلاع بالتقويمات، والتذكير بالمواعيد الهامّة، وتتبّع النفقات، وتخزين السجلّات الطبّيّة والمستندات المهمّة لاسترجاعها بسرعة عند الحاجة. 3. تغيّر النموذج التربويّ: نعيش حاليًّا في عصر أصبحت فيه الشاشات نافذة الأطفال الرئيسيّة على العالم، ما يُشعر الآباء والأمّهات بالحاجة إلى أدوات للتكيّف مع هذا الواقع الجديد. فإذا كان الطفل يقضي وقتًا طويلًا أمام الشاشات، فإنّهما يريان أنّ المراقبة المستمرّة للتفاعلات الرقميّة، أصبحت امتدادًا طبيعيًّا وضروريًّا لدورهما التربويّ. إيجابيّات تطبيقات مراقبة الأبناء يؤكّد مؤيّدو هذه التطبيقات أنّها أدوات ضروريّة في عالم خطير، فهي تقدّم المميّزات الآتية: - توفير راحة بال حقيقيّة للوالدَين في ما يخصّ سلامة أطفالهم. - تسهم في تنظيم الحياة المعقّدة للأسر، إذ يفرض انشغال كلّ من الأب والأمّ بعملهما تقلّص الوقت المخصّص للطفل. - تعدّ وسيلة عمليّة للتربية المشتركة في حالات انفصال الأب والأمّ. - توفّر بيانات عن حالات واقعيّة استخدم فيها الآباء والأمّهات تطبيقات المراقبة والتتبّع، لمعرفة مكان أطفال ومراهقين تعرّضوا لحوادث، منها حالات اختطاف. سلبيّات تطبيقات مراقبة الأبناء يشير معارضو هذه التطبيقات إلى أنّها توفّر أمانًا وهميًّا، وتعيق النموّ الصحّيّ للطفل، وتتسبّب في مضارّ مثل: - مع كون المراقبة المستمرّة تعطي شعورًا زائفًا بالأمان لدى الأب والأمّ، فإنّها تقوّض استقلاليّة الطفل وقدرته على مواجهة التحدّيات المختلفة. - تهدّد حقّ الطفل في الخصوصيّة، والذي يعتبر أساسيًّا لنموّه الصحّيّ. - كما أنّه لا توجد أدلّة واضحة على أنّ أيًّا من هذه التطبيقات يحافظ على أمان الأطفال بشكل مباشر. التداعيات النفسيّة والتربويّة وهنا نتعمّق قليلًا في الجوانب الخفيّة لتطبيقات مراقبة الأبناء التي يغفلها الآباء والأمّهات، والتي قد لا تظهر تأثيراتها إلّا على المدى الطويل، نذكر منها: - تآكل الثقة المتبادلة: من أهمّ عناصر التطوّر الطبيعيّ للطفل أن يتعلّم أن يثق بوالده ووالدته، وأن يثقا به. وبالتالي، فالاعتماد على تطبيقات المراقبة الخفيّة يقوّض هذه المنظومة، وقد يدفع الأطفال إلى إخفاء بعض الأمور عن الوالدَين، والبحث عن طرق أكثر ذكاءً للهروب من هذه المراقبة. - إعاقة تشكيل المسؤوليّة: عندما يتعوّد الأبناء أنّ المراقبة الخارجيّة تمثّل الضابط الأساس لسلوكهم، ستحدث إعاقة لعمليّة تطوير الضمير الداخليّ والقدرة على تحمّل المسؤوليّة، ما قد يؤخّر نضجهم النفسيّ والاجتماعيّ. - تغيّر العلاقة الأسريّة: تحوّل تطبيقات مراقبة الأبناء العلاقة بين الوالدَين والطفل من الثقة والحوار إلى الرقابة والشكّ. كما إنّ مشاركة البيانات الخاصّة على منصّات خارجيّة تثير تساؤلات حول حدود الخصوصيّة والأمان الرقميّ. - إهمال السياق: يجب أن يعرف كلّ أب وأمّ أنّ معرفة موقع أبنائهما باستمرار لا تعني بالضرورة معرفة ما يحدث معهم. فقد يكونان على علم بأنّ الطفل في المدرسة الآن، ولكنّهما لن يعرفا إذا كان يتعرّض إلى التنمّر أو يواجه صعوبات دراسيّة مثلًا. الاستخدام الرشيد لتطبيقات مراقبة الأبناء مع هذا القدر من التعقيد، والتحدّيات التي تحملها هذه التطبيقات، تبرز الحاجة إلى وضع قواعد واضحة يمكن بها استخدام هذه الأدوات الرقميّة، من دون التضحية بالقيم التربويّة الأساسيّة، ومنها: - الحرص على الشفافيّة والحوار: يجب أن يتحدّث الآباء والأمّهات مع أطفالهم بشأن استخدام مثل هذه التطبيقات؛ فمعرفة الطفل ما يقوم به والداه يجعل التطبيق إمّا أداة تربية وتقويم سلوك، وإمّا أداة قهر وتدمير للطفل، أي الاختيار بين بناء الثقة وتدميرها. - التدرّج والتكيّف مع نموّ الطفل: يجب تعديل استخدام التطبيقات مع تقدّم الأطفال في العمر، فالمراقبة المطلوبة للمراهق تختلف عن المراقبة المطلوبة لطفل صغير، أمّا مع اقتراب انتهاء هاتَين المرحلتَين، فإنّ المراقبة قد لا تكون ضروريّة. - الموازنة بين التطبيقات والأبوّة والأمومة: يجب أن تظلّ هذه التطبيقات أدوات مساعدة وليست بديلًا عن التواصل الإنسانيّ، فتجب معرفة متى يجب وضع الهاتف جانبًا، وممارسة الدور الأبويّ والأموميّ المباشر. - احترام الخصوصيّة: يجب أن يوازن الأب والأمّ بين الحماية والخصوصيّة، مع إدراك أنّ للطفل الحقّ في مساحة خاصّة، خصوصًا مع نموّه. *** في النهاية، لا يمكن القطع بأنّ هذه التطبيقات جيّدة أو سيّئة بشكل مطلق، إنّما نقول إنّها أدوات قويّة قد تساعد في عمليّة التربية، وقد تزيد من تعقيدها. والذكاء في عدم رفضها أو تبنّيها بشكل كامل، بل في فهم تداعياتها واستخدامها بطريقة واعية، تحقّق التوازن بين السلامة الجسديّة والنفسيّة للطفل، وبين حمايته واستقلاليّته، وبين مراقبته والثقة به. وتبقى العلاقات الأسريّة الصحّيّة المبنيّة على الثقة والحوار والمصارحة، الضمان الحقيقيّ لسلامة الأبناء، وتبقى التطبيقات مجرّد أدوات مساعدة في الرحلة التربويّة الفريدة. المصادر - https://www.bbc.com/arabic/vert-cap-59161801 - https://www.bgmrlaw.com/blog/2022/06/pros-and-cons-of-co-parenting-apps/ - https://www.magicmum.com/parenting-apps-the-pros-and-cons/

إدمان الأجهزة الذكيّة: متى أمنع طفلي من الإفراط في الاستخدام، وكيف؟

شكّلت الأجهزة الذكيّة ثورة في حياتنا، مقدّمةً عالمًا من المعرفة والترفيه بلمسة زرّ واحدة. لكنّ هذا العالم الساحر يحمل في طيّاته خطرًا خفيًّا يهدّد الجيل الجديد: خطر الإفراط في الاستخدام، والذي يمكن أن يتطوّر ليصبح إدمان الأجهزة الذكيّة. وبينما لا يمكن عزل الأطفال عن التكنولوجيا في عصرنا، يتمثّل التحدّي الأكبر للآباء في متى يتدخّلون، وكيف يضعون حدودًا فعّالة من دون إثارة صراعات لا نهاية لها. يهدف هذا المقال إلى توفير إجابات عمليّة للسؤالَين المحوريَّين: متى يجب أن أمنع طفلي عن الأجهزة الذكيّة؟ وكيف يمكنني تنظيم استخدامها للأطفال بطريقة حكيمة وفعّالة، تضمن لهم النموّ المتوازن. ثنائيّة التكنولوجيا بين المنفعة وخطر إدمان الأجهزة الذكيّة لا تقتصر الأجهزة الذكيّة على الترفيه، بل إنّها أدوات تعليميّة قويّة ومصدر للمعلومات. ولكن عندما يتحوّل الاستخدام من أداة إلى حاجة ملحّة، نكون قد دخلنا منطقة الخطر. يؤثّر الإفراط في التعرّض إلى الشاشات سلبًا في النموّ العقليّ واللغويّ، ويقلّل من فرص التفاعل الاجتماعيّ المباشر الذي يُعدّ أساسيًّا لتكوين المهارات العاطفيّة والاجتماعيّة. ويتطلّب التعامل مع الأجهزة الذكيّة للأطفال وعيًا عميقًا بخطوط الفصل بين الاستخدام الصحّيّ والإفراط الضارّ. متى يصبح استخدام الأجهزة الذكيّة للأطفال إفراطًا أو إدمانًا؟ (علامات الخطر) يصبح تدخّل الوالدَين ضروريًّا عندما يبدأ استخدام الأجهزة بالسيطرة على حياة الطفل، والتعارض مع الأنشطة الأساسيّة. إليك أبرز علامات الخطر التي تشير إلى ضرورة منع طفلك من الإفراط: - السلوك العدوانيّ أو نوبات الغضب: ظهور ردود فعل عنيفة أو بكاء شديد عند محاولة سحب الجهاز أو إيقاف الاستخدام. - التدهور الأكاديميّ: انخفاض ملحوظ في التركيز والتحصيل الدراسيّ بسبب التفكير المستمرّ في الأجهزة. - العزلة الاجتماعيّة: تفضيل اللعب على الجهاز على التفاعل مع الأصدقاء، أو المشاركة في الأنشطة العائليّة. - مشكلات في النوم: السهر لوقت متأخّر، أو صعوبة في الخلود للنوم بسبب التحفيز المفرط الذي تسبّبه الشاشات. - الخمول البدنيّ: التخلّي عن الأنشطة الرياضيّة والألعاب الحركيّة لصالح الجلوس الطويل أمام الشاشة. - الكذب والإخفاء: محاولة إخفاء استخدام الجهاز، أو الكذب بشأن المدّة الزمنيّة التي قضاها الطفل عليه. ٧ استراتيجيّات للحدّ من استخدام الطفل للأجهزة الذكيّة الاستراتيجيّة الأولى: الاتّفاق على "ميثاق العائلة" لتنظيم استخدام الأجهزة الذكيّة للأطفال يجب أن تكون القواعد المتعلّقة بالشاشات واضحة وموثّقة ومتّفق عليها من قبل جميع أفراد الأسرة. يجب على الوالدَين الجلوس مع الطفل (حسب عمره)، ووضع "ميثاق عائليّ" يحدّد: 1. مناطق حظر الاستخدام: مثل طاولة الطعام وغرف النوم والسيّارة وأثناء التحدّث. 2. أوقات الحظر: قبل ساعة من النوم، وأثناء أوقات الواجبات المدرسيّة. 3. العواقب: ما الإجراءات المتّبعة عند تجاوز الميثاق، وكيفيّة استعادة الامتياز. يرسّخ هذا الميثاق فكرة أنّ الأجهزة الذكيّة للأطفال تمثّل امتيازًا، وليست حقًّا مطلقًا. الاستراتيجيّة الثانية: فنّ الفصل بين الاستخدام التعليميّ والاستخدام الترفيهيّ لا يجب التعامل مع وقت الشاشة كلّه على أنّه شرّ مطلق. يمكن التسامح مع الاستخدام التعليميّ (مثل تطبيقات تعلّم اللغات أو البرمجة)، ووضعه في خانة "الوقت المنتج"، بينما يتمّ تقييد الاستخدام الترفيهيّ (الألعاب ومشاهدة الفيديوهات العشوائيّة) بشكل صارم. تشجيع الطفل على المحتوى الهادف يساعد في بناء علاقة صحّيّة مع التكنولوجيا، ويقلّل من خطر إدمان الأجهزة الذكيّة التي تعتمد على التحفيز السريع. الاستراتيجيّة الثالثة: أهمّيّة "وقت الاستبدال" لتجنّب إدمان الأجهزة الذكيّة المنع وحده يخلق فراغًا ومقاومة. بدلًا من مجرّد سحب الجهاز، يجب توفير بدائل جذّابة تملأ وقت الطفل، وهو ما يُسمّى "وقت الاستبدال"، إذ يجب تشجيع الأنشطة غير الرقميّة بشكل فعّال، مثل: - قضاء وقت مخصّص للقراءة المشتركة. - ممارسة الأنشطة البدنيّة والرياضة في الهواء الطلق. - المشاركة في الأنشطة العائليّة، مثل الطبخ أو الألعاب اللوحيّة. بمجرّد أن يجد الطفل متعة في هذه البدائل، تقلّ حاجته بشكل طبيعيّ إلى الشاشة، ما يُسهّل عمليّة تنظيم استخدام الأجهزة الذكيّة لديه. الاستراتيجيّة الرابعة: دور الوالدَين بصفتهم "قدوة" في التعامل مع الأجهزة الذكيّة لا يمكن أن ينجح الوالدان في منع طفلهما من الإفراط، وهما يقضيان ساعات طويلة على هاتفيهما. الأطفال يراقبون ويقلّدون، لذا يجب على الوالدَين أن يطبّقا قواعد الميثاق العائليّ على نفسيهما، مثل وضع الهواتف جانبًا أثناء الوجبات والمحادثات العائليّة. هذا السلوك يرسّخ مصداقيّة القواعد، ويجعل الطفل أكثر تقبّلًا لها. الاستراتيجيّة الخامسة: التدرّج في تطبيق الحظر وتجنّب المنع المفاجئ إذا كان الطفل مدمنًا بالفعل، فإنّ سحب الجهاز بشكل مفاجئ سيؤدّي إلى نوبات غضب ومقاومة عنيفة. يجب اتّباع خطّة تدريجيّة لتقليل وقت الشاشة يوميًّا (على سبيل المثال: خفض وقت الشاشة 15 دقيقة كلّ أسبوع). هذا التدرّج يمنح الطفل وقتًا للتكيّف العقليّ والسلوكيّ مع التغيير، ويساعد في كسر حلقة إدمان الأجهزة الذكيّة بأقلّ قدر من الصراع. الاستراتيجيّة السادسة: استخدام أدوات الرقابة الأبويّة الذكيّة يمكن للتكنولوجيا أن تكون جزءًا من الحلّ. هناك العديد من التطبيقات وأدوات التحكّم الأبويّة التي تسمح للوالدَين بتحديد فترات زمنيّة دقيقة لاستخدام تطبيقات معيّنة، وحظر المحتوى غير المناسب تلقائيًّا. هذه الأدوات تعمل شريكًا حازمًا ومحايدًا لتنفيذ القواعد المتّفق عليها في ميثاق العائلة. الاستراتيجيّة السابعة: استشارة المختصّين متى تجاوز إدمان الأجهزة الذكيّة السيطرة إذا أثّر الإفراط بشكل خطير في الحالة النفسيّة للطفل، أو أدّى إلى عزلة تامّة واكتئاب، أو فشل الآباء في تطبيق أيّ من الاستراتيجيّات السابقة، يصبح طلب المساعدة من طبيب نفسيّ أو مستشار سلوكيّ متخصّص في الأجهزة الذكيّة للأطفال أمرًا ضروريًّا. *** يتطلّب التعامل مع إدمان الأجهزة الذكيّة توازنًا دقيقًا بين الحزم والحبّ، وبين المنع وتقديم البدائل. بتطبيق هذه الاستراتيجيّات السبع، يمكن للوالدَين أن يتحوّلا من مراقبَين إلى موجّهَين، يساعدان أطفالهما في بناء علاقة صحّيّة ومثمرة مع التكنولوجيا، تضمن لهم النموّ السليم والمشاركة الفعّالة في العالم الحقيقيّ. المراجع https://www.smartone.com/en/mobile-service-plans/network-for-kids/Tips-to-Help-Break-Phone-Addiction.jsp https://www.helpguide.org/mental-health/addiction/smartphone-addiction https://www.mayoclinic.org/healthy-lifestyle/childrens-health/in-depth/screen-time/art-20047952#:~:text=Encourage%20unplugged%2C%20unstructured%20playtime.,screens%20one%20hour%20before%20bedtime.