في هذا العدد

العدد (24) ربيع 2026

مثّل العمل على إخراج هذا العدد إلى النور تحدّيًا لكلّ العاملين فيه، والذين وجدوا أنفسهم عالقين في دوّامة العمل الدؤوب لإنجاز العدد، والقلق الشخصيّ على السلامة والشعور بالأمان. وكان ملفّ العدد دافعًا بالنسبة إلينا للتأمّل في موضوعه: "المتعلّمون بعد المدرسة: ممارسات صفّيّة بعين مستقبليّة". هل الموضوع مرتبط بأجيال المستقبل وحسب؟ الواقع أنّ التعامل مع الجنون المستمرّ في عالمنا، يشكّل المقال الأوّل في هذا الملفّ: ما الذي يجب إعداد المتعلّمين له حتّى يتفاعلوا مع بيئة متحرّكة – بعنف في أحيان كثيرة – حتّى ينجوا بعقولهم وأرواحهم بأقلّ الأضرار. والمقالات المشاركة في الملفّ أعطتنا العناوين الأساس لما يجب تدريب أجيال المستقبل عليه؛ لا لجعلهم أفضل في اقتناص الفرص وحيازة الصفقات، بل ليكونوا خلاصة حضارة بشريّة ترنو إلى مستقبل أكثر عدلًا وخيرًا وأمنًا للجميع. فكرة الملفّ ومقالاته ركّزت على وجوب تضمين العديد من المهارات والقدرات في التعليم، وعلى ضرورة مأسسة هذه النواحي في صلب الممارسات اليوميّة، في كلّ المراحل والموادّ.

ملفّ العدد القادم

دعوة للكتابة في الأعداد القادمة

للمساهمة والكتابة في أعداد المجلّة القادمة، نستقبل مقالاتكم حول المواضيع التربويّة المختلفة عبر البريد الإلكترونيّ: [email protected] تعالج مواضيع المقالات العامّة التربويّة في المجلّة قضايا التعليم والإدارة المدرسيّة وتطوير المعلّمين. وقد يكون موضوع المقال منطلقًا من تفكُّر ذاتيّ؛ تأمُّل في تجربة ما أو مراجعة لها أو مُشاركة لتجارب وأفكار مُختلفة، أو قد يكون نتاجًا لورشة أو ندوة أو مؤتمر، وربّما يكون مراجعة لكتاب أو مقالة استطاع الكاتب أن يختبر مقتضياتها في الصفّ، وأن يُدخل عليه ما يتناسب ووضع الصفّ والمدرسة بشكل عامّ، وأن يلمس بيده وروحه ما أدّت إليه في مسار المتعلّمين. المعارف، على أهمّيّتها، موجودة وباتت متاحة بلغات مختلفة، لكن تجربتكم الشخصيّة في تحويل المعرفة إلى ممارسة يوميّة أو استراتيجيّة ناجحة تلائم الواقع، هي الشعلة التي نرغب في نقلها إلى المُمارسين التربويّين في الحقل التعليميّ. للاطلاع على سياسات النشر في المجلّة سياسات منهجيات | منهجيات - نحو تعليم معاصر (manhajiyat.com)، وفريق منهجيّات سيكون داعمًا وموجودًا للتواصلِ والمتابعة والمجاورة.

أخبار تربويّة

93 ألف طالب يؤدّون امتحانات الثانويّة العامّة في مناطق سيطرة الحكومة اليمنيّة

انطلقت يوم الأحد 7 حزيران/ يونيو 2026، امتحانات شهادة الثانويّة العامّة في المحافظات اليمنيّة الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا، بمشاركة أكثر من 93 ألف طالب وطالبة، في وقت يواصل فيه قطاع التعليم مواجهة تحدّيات كبيرة ناجمة عن الحرب والانقسام المؤسّسيّ المستمرّ منذ سنوات. ووفق بيانات وزارة التربية والتعليم، يتقدّم للاختبارات هذا العام 93 ألفًا و165 طالبًا وطالبة موزّعين على 906 مراكز امتحانيّة في المحافظات الواقعة ضمن نفوذ الحكومة، بينهم 78 ألفًا و727 طالبًا وطالبة في القسم العلميّ، و14 ألفًا و438 طالبًا وطالبة في القسم الأدبيّ. وفي هذا السياق، كانت وزارة التربية والتعليم في صنعاء قد نفّذت، في نيسان/ إبريل الماضي، اختبارات الشهادة العامّة للمرحلة الثانويّة للعام الدراسيّ نفسه، حيث بلغ عدد المتقدّمين لها نحو 215 ألفًا و246 طالبًا وطالبة، توزّعوا على 1,529 مركزًا اختباريًّا في المحافظات الواقعة تحت إدارتها، ما يجسّد الفجوة الإداريّة والمناهجيّة العميقة التي تكرّس ازدواجيّة العمليّة التعليميّة وآليّات تقويمها في البلاد. المصدر: العربيّ الجديد

إطلاق حملة فلسطينيّة رفضًا للتدخّل الخارجيّ في المناهج التعليميّة

انطلقت في فلسطين بمبادرة من مرصد السياسات الاجتماعيّة والاقتصاديّة ومؤسّسة عبد المحسن القطّان، حملة "الحقّ في المناهج" تحت شعار "منهاجنا حقّنا.. لا يُملى ولا يُمحى"، رفضًا لأيّ تدخّل خارجيّ في صياغة المناهج أو تعديل مضامينها استجابة لشروط سياسيّة مرتبطة بالتمويل. تهدف الحملة إلى تشكيل إطارٍ وطنيٍّ تشاركيٍّ مفتوح للأفراد والمؤسّسات، لتوحيد جهود التربويين والأكاديميّين، والهيئات الثقافيّة والحقوقيّة، والإعلاميّين وصنّاع الرأي؛ دفاعًا عن الحقّ في التعليم والهويّة، والرواية الوطنيّة، والسيادة التربويّة. كما تسعى إلى تعزيز وعيٍ نقديٍّ عامٍ بأنّ التدخّل في المناهج الفلسطينيّة هو تدخلٌ سياسيٌّ يمسّ الهويّة ومنظومة التعليم، وتسليط الضوء على التوظيف السياسيّ والانتقائيّ للمعايير الدوليّة، واستخدام التمويل كأداة ضغط لتوجيه المحتوى التعليميّ وإعادة تشكيله. المصدر: حملة الحقّ في المنهاج

لبنان: إلغاء امتحانات الشهادة المتوسّطة وإجراءات استثنائيّة بسبب الحرب

أعلنت وزيرة التربية في لبنان ريما كرامي، الجمعة، "إلغاء امتحانات الشهادة المتوسّطة (البريفيه) لهذا العام، واعتماد ثلاث دورات متتالية لشهادة التعليم الثانويّ (البكالوريا)، ودورتين لامتحانات التعليم المهنيّ والتقنيّ". ويأتي هذا القرار في إطار الإجراءات والتدابير الاستثنائيّة التي اتُخذت بسبب الحرب الإسرائيليّة، وما نتج عنها من نزوح تجاوز المليون شخص، إضافة إلى تحوّل عدد كبير من الثانويّات والمدارس إلى مراكز إيواء. وعاش طلاب لبنان عامًا دراسيًّا استثنائيًّا بفعل الحرب الإسرائيليّة التي توسّعت في 2 آذار/ مارس الماضي، وما تزال التحدّيات أمامهم كبيرة، خصوصًا في ظلّ استمرار الاعتداءات، ولا سيّما في الجنوب، وما رافقها من تهجير قسريّ ونزوح، على الرغم دخول الهدنة حيّز التنفيذ في منتصف ليل 16 – 17 نيسان/ أبريل الماضي. وقد دفع ذلك العديد من الأساتذة والكادر التربويّ والتعليميّ إلى رفع الصوت عاليًا والمطالبة بإلغاء الامتحانات الرسميّة، بينما تريّثت وزارة التربية وتمهّلت باتخاذ قرارها قبل الإعلان عنه اليوم. ودفعت الحرب إلى إغلاق عدد كبير من المدارس أبوابها، إمّا نتيجة تضرّرها جرّاء القصف الإسرائيليّ، أو لوقوعها في مناطق غير آمنة تشملها الغارات وإنذارات الإخلاء الصادرة عن جيش الاحتلال، أو بسبب تحويلها إلى مراكز إيواء للنازحين بفعل هشاشة الهدنة واستمرار الخروق الإسرائيليّة لها. ووفقًا لأرقام منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) الصادرة في بيان، في نيسان/ أبريل الماضي، فإنّ "أكثر من مليون نسمة أضحى في عداد النازحين داخليًّا إثر تصاعد الأعمال العدائيّة في الشرق الأوسط ولبنان، من بينهم زهاء 500 ألف طفل في سنّ الدراسة"، مشيرة إلى أنّ "التصعيد أسفر عن تدمير العديد من المدارس أو إغلاقها أو تحويلها إلى ملاجئ، ما يهدّد استمراريّة تعليم مئات الآلاف من الطلاب". المصدر: العربي الجديد.
بودكاست

في كلّ عدد تختار منهجيّات قضيّة أو مفهومًا تربويًّا تخصّص له ملفًّا يشارك فيه خبراء وأكاديميّون ومعلّمون في مقالات وتجارب وتحليلات، تتناول الموضوع من جوانبه المختلفة. يشكّل الملفّ رافدًا مهمًّا للمعلّمين والباحثين والمهتمّين.

حين تصبح القيم اختيارًا لا شعارًا: ممارسات صفّيّة في بناء الوعي الأخلاقيّ
ينطلق هذا المقال من تجربة صفّيّة سعت لمقاربة مفهوم القيم، بوصفها ممارسة يوميّة قائمة على الحوار والاختلاف وحقّ الاختيار، في محاولة الإسها... تابع القراءة
ممارسات صفّيّة بعين مستقبليّة
لا يمكن إغفال دور الممارسات اليوميّة والعلاقات الاجتماعيّة بين الطلّاب، في تعزيز المهارات الأساسيّة للتعلّم والقيادة. فحين يولي المعلّم ا... تابع القراءة

مقالات عن تجارب وتأمّلات وتقنيّات تعلّميّة – تعليميّة، غير مرتبطة بموضوع أو قضيّة محدّدة، ومفتوحة للمُشاركة دائمًا.

التعبير الكتابيّ في المنهاج الدراسيّ: المشكلات والحلول
لمّا كانت الكفايات التعبيريّة والتواصليّة من أسمى الكفايات التي يتوخّى منهاج اللغة العربيّة تحقيقها، جعل المشرّع التربويّ درس التعبير وال... تابع القراءة
التعليم في أوقات الأزمات: نماذج ميدانيّة من لبنان 
تتعرّض المنظومات التربويّة في المنطقة العربيّة لاضطرابات بنيويّة، بسبب الحروب والتصعيدات المتكرّرة، ما يهدّد الحقّ في التعلّم ويضاعف الفج... تابع القراءة

الندوة القادمة

دعوة إلى ندوة: عافية ورفاه واستعداد: ماذا يفعل المعلّم بإجازة الصّيف؟

تدعوكم منهجيّات إلى حضور ندوتها لشهر حزيران/ يونيو 2026، بعنوان "عافية ورفاه واستعداد: ماذا يفعل المعلّم بإجازة الصّيف؟" وذلك يوم الثلاثاء، الموافق 16-06-2026، في تمام الساعة السادسة مساءً بتوقيت القدس.محاور النّدوةالمحور الأوّل: استعادة عافية المعلّم.المحور الثاني: الإجازة بوصفها مساحة نموّ مهنيّ وشخصيّ.المحور الثالث: الاستعداد لعامٍ جديد بتوازن أكبر. يُمكنكم التسجيل لحضور الندوة عبر الرابط هُنا.

ندوة منهجيّات الشهريًّة مساحة نقاش مفتوح يتناول موضوعًا يتجدّدُ، يشارك في الندوة مختصّون تربويّون ومعلّمون خبراء في موضوع الندوة.

ندوة: التعليم الشعبيّ.. مداخل وتجارب وتحدّيات

عقدت "منهجيّات" ندوتها لشهر أيّار/ مايو 2026، بعنوان "التعليم الشعبيّ: مداخل وتجارب وتحدّيات". وركّزت على ثلاثة محاور، هي: 1. تفكيك مفهوم التعليم الشعبيّ والتعرّف إلى منطلقاته. 2. استكشاف التجارب الواقعيّة والممارسات التطبيقيّة. 3. التحدّيات التي تواجه التعليم الشعبيّ، وآفاقه المستقبليّة. استضافت الندوة مجموعة من المتحدّثين، هم: أ. عبد السلام خدّاش، ناشط في المجال التربويّ والمجتمعيّ والثقافيّ - فلسطين؛ أ. سيرين حليلة، ناشطة ثقافيّة وباحثة وممارسة في العمل المجتمعيّ - فلسطين/ الأردن؛ أ. رهف أبو ضحى، محاضرة رئيسة في مساق "أهل" ومتخصّصة في التنظيم المجتمعيّ والتعلّم الشعبيّ - الأردن؛ أ. صفيّة الوافي، وكيلة مدرسة "نعمة رسام" للبنات ومعلّمة علوم - اليمن. أدارت الندوة د. جمانة الوائلي، الباحثة في سوسيولوجيا التعليم والعدالة الاجتماعية لمرحلة ما بعد الدكتوراه. واستهلّت الندوة بالتعريف بـ "منهجيّات" بوصفها مجلّة تربويّة إلكترونيّة دوريّة موجّهة لكلّ العاملين في القطاع التربويّ في السياق المجتمعيّ. تعمل المجلّة على نشر المساهمات العربيّة والعالميّة المثرية والملهمة دوريًّا، وبأشكال تعبير مختلفة ووسائط متعدّدة، وتتابع المستجدّات في الحقل، وتشجّع الحوار الذي يثري التجربة التربويّة في العالم العربيّ، ويجعل منها مصدرًا إنسانيًّا ومعرفيًّا قيّمًا للأفراد والمؤسّسات. ودعت جمهور الندوة إلى متابعتها والمشاركة في أقسامها. وفي بداية الحديث، أشارت د. جمانة الوائلي إلى أنّ الندوة تنطلق لتسليط الضوء على مفهوم التعليم الشعبيّ بوصفه ممارسة جماعيّة تحرريّة تتجاوز الأطر التقليديّة للتعليم، وتأتي في ظلّ أزمات وحروب تعصف بالعالم وتتطلّب مقاومة للإبادة المعرفيّة. وأوضحت أنّ الفكرة ظهرت في أواخر ستينيّات القرن الماضي مقرّرًا تدريسيًّا وأسلوبًا للوعي النقديّ على يد الفيلسوف التربويّ البرازيليّ باولو فريري، في سياق تعليم الفقراء والمهمّشين سياسيًّا في بلاده. ويختلف التعليم الشعبيّ عن التعليم الرسميّ وغير الرسميّ بكونه جهدًا جماعيًّا يتطلّب مشاركة عالية، حيث يذوب التمييز التقليديّ بين المعلّم والمتعلّم، ويصبح لكلّ فرد القدرة على اتّخاذ القرار بشأن مسار تعلّمه. واستعرضت أبرز النماذج الواقعيّة الملهمة للتعليم الشعبيّ، وفي مقدّمتها تجربة فلسطين خلال الانتفاضة الأولى بين سنتي 1989 و1990، وتجربة البرازيل المستلهمة من فريري، مؤكّدةً سعي "منهجيّات" لاستكشاف كيف تتحوّل الممارسة التعليميّة في سياقات النزاع والنزوح الطارئة إلى أداة صمود ومقاومة وإعادة بناء للمعنى. المحور الأوّل: تفكيك مفهوم التعليم الشعبيّ والتعرّف إلى منطلقاته ما مفهوم التعليم الشعبيّ، وكيف يمكننا ترجمته اليوم على أرض الواقع؟ ناقش أ. عبد السلام خدّاش المفهوم موضحًا أنّ ما يميّز التعليم الشعبيّ هو كونه نابعًا من الناس ولأجلهم؛ فالمفاهيم العاديّة تأتي في الغالب نظريّاتٍ جاهزة ثم تُطبّق على المجتمعات، حتّى أفكار باولو فريري نبعت أصلًا من ارتباطه بالناس. وأكّد أنّ تجربة التعليم الشعبيّ في فلسطين شكّلت نموذجًا تعليميًّا فريدًا وأحد أشكال النضال الوطنيّ؛ لأنّه لم يكن مجرّد تعليم أكاديميّ بل كان تعليمًا من أجل الحياة. ففي ظلّ الانتفاضة الأولى، استعاد الناس زمام المبادرة والسيطرة على شؤونهم، وجاء التعليم الشعبيّ عملًا مشتركًا ضمن سياق مجتمعيّ متكامل، يتحرّر من قيود المناهج المفروضة، ليتعلّم الجميع معًا ممارساتهم اليوميّة تشاركًا من أجل البقاء. كيف ننقل هذا التعريف إلى مساحات التقاطع بين الفنّ والتعليم؟ فكّكت أ. سيرين حليلة المصطلح برؤية نقديّة، مشيرةً إلى أنّ مصطلح التعليم الشعبيّ (Popular Education) المنقول من الإسبانيّة عبر الإنجليزيّة، يعاني عدم انسجام في صياغته العربيّة. فالكلمة الأولى "Education" لطالما ارتبطت في وعينا وسياق وزاراتنا بـ"التربية والتعليم"، قبل أن يُختزل المفهوم لاحقًا بـ"التعليم" وحده، ويغيب الشقّ التربويّ الحاضن للتعلّم. أمّا الكلمة الثانية ،"Popular" ففضّلت استبدالها بمفهوم "الأهليّ" مستندةً إلى مراجعات د. منير فاشه؛ فالأهالي هم أصحاب القضيّة وحماة المجتمع والأطفال. وبناءً على ذلك، يصبح المفهوم الأدقّ هو "التربية والتعليم الأهليّ"، والذي ينطلق أساسًا من معرفة الناس وخبراتهم التراكميّة، ويتعامل مع المعلّمين والمتعلّمين بصفتهم أهلًا يتشاركون حماية مجتمعهم وتطويره. كيف نستخدم هذا المفهوم والنمط أداةً تدعم العمل الميدانيّ والممارسات المجتمعيّة؟ داخلت أ. رهف أبو ضحى مبيّنةً انحيازها إلى استخدام مصطلح "التعلّم الشعبيّ" بدلًا من التعليم، تلافيًا للثنائيّة التقليديّة التي تفترض وجود ملقّن ومتلقّ، في حين أنّ التعلّم الحقيقيّ يحدث بأسلوب تشاركيّ وتبادليّ. وأوضحت أنّ التفكير في أنّ التعلم الشعبيّ أداة للتنظيم المجتمعيّ، جاء نتيجة مراجعة نقديّة للأنظمة التعليميّة الرسميّة، والتي تخرّج أفرادًا يفتقرون إلى مهارات الحياة الأساسيّة، مثل: العمل الجماعيّ، والتفكير النقديّ، والتساؤل، والقدرة على تأمّل التجارب الذاتيّة لتغيير الواقع. وأضافت أنّ هذا المفهوم نُقل عمليًّا إلى ساحة الحملات المطلبيّة، مثل حملة "قُم مع المعلّم" التي ناضلت لأجل الحقوق العمّاليّة للمعلّمات، في مواجهة دوائر قهر متعدّدة تلتقي مع أدبيّات فريري. وعن ترجمة هذا المفهوم إلى أدوات حيّة، أشارت إلى تعدّد الممارسات؛ فمنهم من وظّف المسرح، ومنهم من ربطه بمواسم الحصاد والتجارب المجتمعيّة التشاركيّة. وفي سياق عملهم، ركّزوا على استثمار مساحات النقاش المنظّمة التي تجعل من التجربة الشخصيّة للمشارك معلّمًا أساسيًّا، وتدفع نحو "صحوة تحرّر" واعية تُفضي إلى تغيير السلوك الفرديّ والمجتمعيّ، ومواجهة المخاوف من السلطة، وبناء الثقة المشتركة. المحور الثاني: التجارب الواقعيّة والممارسات التطبيقيّة كيف ترتبط العلاقة بين التعليم الشعبيّ والوعي النقديّ التحرريّ في الممارسة العمليّة؟ توسّعت أ. رهف أبو ضحى في هذه الفكرة مستندةً إلى هيكليّة الجلسات التي ينفّذونها، وضربت مثالًا بكيفيّة التعامل مع مفهوم "السلطة والتسلّط"؛ حيث تبدأ الجلسة بسرد قصص واقعيّة من تجارب المشاركين وخبراتهم الصعبة. تلي ذلك مرحلة تلخيص المحتوى، ثمّ تمرين "إعادة صياغة المفاهيم"، حيث يقوم المشاركون أنفسهم، وليس الميسّر، بإعادة تعريف التسلط بناءً على وعيهم الجمعيّ. بعد صياغة المفهوم، يطرح كلّ مشارك سؤالًا نقديًّا، وهو ما يعزّز مهارة التساؤل التي كانت تواجه صعوبات في البداية نتيجة النمط التعليميّ السائد. هذه الأسئلة تصبح هي "الأجندة" الفعليّة للنقاش، لتنتهي الجلسة بالتزام كلّ فرد بتغيير سلوكيّ محدّد في حياته اليوميّة إذا ما واجه التسلط مجدّدًا. وأكّدت أنّ هذه الرحلة التي تمتدّ عبر 8 جلسات منظّمة ومبنيّة على موضوعات يختارها المشاركون، تصنع تغييرًا ملموسًا على صعيد الأسرة، والعمل، والعلاقات، وهو جوهر الوعي التحرريّ الذي يعيد صياغة الواقع بسياق منظّم ومبنيّ على الإنصات المتبادل. كيف ينعكس هذا النموذج في سياق المدارس والبيئات التعليميّة خلال الأزمات؟ تحدّثت أ. صفيّة الوافي عن واقع التجربة اليمنيّة، مشيرةً إلى أنّ التعليم الشعبيّ ظهر استجابةً متأخّرة أملتها ظروف الحرب القاسية في محافظة تعز، والتي تضرّرت بشدّة وشهدت موجات واسعة من النزوح. ومع توقّف المدارس تمامًا ونزوح الكوادر التدريسيّة، لم يعد التعليم الشعبيّ ترفًا نظريًّا بل تحوّل إلى آليّة عمليّة وتطوّعيّة للبقاء قادها أبناء المجتمع المحليّ والمثقّفون لحماية الأجيال من الجهل والتجنيد. وفصّلت المراحل على الشكل الآتي: 1. استشعار الأزمة وجمع الطلّاب: خطوة إنقاذ أولى.على الرغم من إغلاق مدرسة "نعمة رسام" التي تستوعب أكثر من 7000 طالبة بسبب الحرب، تحرّكت قلّة من التربويّين لجمع الطالبات والشباب المتبقّين في المدينة لمنع تسرّبهم نحو التجنيد أو النمطيّة. 2. فتح المساحات البديلة: لتجاوز تدمير البنية التحتيّة وإغلاق المؤسّسات، فتح المجتمع المحلّي المساجد، والمنازل، وأُنشئت خيام تعليميّة في أحياء بعيدة عن الضوضاء ومناطق الخطر لاستئناف الدراسة. 3. إدماج التعليم بالمهارات الحياتيّة: دمج المعرفة بالبقاء، فلم يقتصر التعليم على المناهج الصرفة، بل تطوّع المتخصّصون لدمج التعليم بالأنشطة العمليّة التي تفرضها ظروف الحرب، مثل تعليم الطالبات الخياطة، الرسم، والإسعافات الأولية. 4. ابتكار حلول للمشكلات المعيشيّة: استدامة دامت 3 سنوات، نجحوا فيها في خلق بدائل مجتمعيّة لمواجهة انقطاع الرواتب، وغياب الكهرباء، وانهيار الخدمات الأساسيّة الصرف الصحّيّ. وعقّبت د. جمانة الوائلي على هذه التجربة الملهمة بالقول: "إذًا، تغيّرت العلاقة بين المعلّم والمتعلّم من علاقة ثنائيّة تلقينيّة تقليديّة، إلى مجتمع تعلّم حقيقيّ يتعلّم فيه الطرفان معًا على أرض الواقع". وأكّدت أ. صفيّة الوافي هذا التحوّل، موضحةً أنّ تضافر الجهود المجتمعيّة والشبابيّة حوّل المتطوّعين إلى ميسّرين للعملية التعليميّة، يربطون المعرفة بواقع الحياة اليوميّة ويصنعون روابط أسريّة ومجتمعيّة متينة تسهم في استمرار التعليم في أصعب الظروف. ما أوجه التشابه والافتراق بين هذه التجربة وتجربة الانتفاضة الأولى في فلسطين؟ ناقش أ. عبد السلام خدّاش تجربة فلسطين الفريدة، لافتًا إلى أنّ كلمة "التعليم الرسميّ" تشبه في دلالتها الفرد الذي يرتدي "زيًّا رسميًّا" يلتزم فيه بالأصول الجافّة، بينما تكمن جماليّة التعليم الشعبيّ في انعتاقه من هذه الرسميّة. وأوضح أنّ تجربة فلسطين في الانتفاضة الأولى انبثقت كلّيًّا من المبادرات الشعبيّة والأهليّة، وجاءت ردّ فعل مباشر على سياسة الاحتلال الرامية لتجهيل المجتمع عبر إغلاق المدارس. وأضاف أنّ التعليم في فلسطين كان يدار بالكامل من قِبل سلطات الاحتلال التي فرضت رقابة صارمة تمنع مجالس الطلبة ومجلاّت الحائط، وتفرّغ المناهج من أيّ مضامين تحرّريّة. وحين اندلعت الانتفاضة، سعى كلّ فرد لترجمة نضاله من خلال مجاله: فحين كان الاحتلال يسمح بالمؤتمرات الصحفيّة التي تشجب إغلاق المدارس شكليًّا، قام المعلّمون والناس بخطوة جوهريّة تمثّلت في "تحرير تعبيرهم" وتطبيق التعليم الشعبيّ في الحارات، والمساجد، وتحت الأشجار. واستعادت المجموعات الشعبيّة السيطرة الكاملة على العمليّتين التعليميّة والفنّيّة بعيدًا عن رقابة المحتلّ. كما تميّز هذا النمط بتجاوز التلقين والبنكيّة؛ إذ لم يلتزموا بالمنهاج المقرّر حرفيًّا، بل ربطوا تعليم اللّغة العربيّة والرياضيات بواقع الثورة، والاستقلال، وقصص الحياة اليوميّة، ما دفع سلطات الاحتلال لاحقًا إلى إعادة فتح المدارس، بعد أن أدركت فقدانها السيطرة التامّة على عقول الطلبة في الفضاءات الشعبيّة. المحور الثالث: التحدّيات التي تواجه التعليم الشعبيّ والمجالات والآفاق المستقبليّة كيف تتشكّل العلاقة التكامليّة بين التعليم الأهليّ والفنون أداةً للمقاومة المعرفيّة؟ استكملت أ. سيرين حليلة الحديث بطرح مثالين حيّين من التجربة الفلسطينيّة. تمثّل الأوّل في لجان الأحياء والحارات إبّان الانتفاضة الأولى، عندما أغلقت المدارس وتعطّلت الخدمات البلديّة تمامًا، فتشكّلت لجان حارات لإدارة شؤون الحياة والدراسة والنظافة والزراعة المنزليّة لمواجهة حظر التجوّل الطويل. والسمة الأبرز في هذه اللّجان كانت كسر الهرميّة؛ إذ كانت تضمّ الأطفال والشباب والمسنّين (من عمر 17 إلى 80 سنة)، يجلسون معًا لاتّخاذ القرار وتقاسم المسؤوليّات. وهذا يرسّخ فكرة أنّ التعلم الأهليّ ممارسة وفعل حقيقيّ لا يقتصر على الوعي النقديّ النظريّ، بل يتبعه فعل ثمّ تأمّل في حلقة دائريّة مستمرّة ومسيّسة تمنح الناس قوّة المبادرة. أمّا المثال الثاني، فيرتبط بتأسيس "فرقة الفنون الشعبيّة الفلسطينيّة" سنة 1979، والتي بدأت بمبادرة من مجموعة أصدقاء في سياق استعادة التراث الشعبيّ وحمايته من الطمس. وعدّت أ. سيرين هذه الفرقة مدرسة تعلّميّة حقيقيّة تخرّج فيها مئات الشباب؛ حيث كانوا يتعلّمون الدبكة والأغاني بالنزول إلى القرى وتوثيقها من الأهالي، ثم يطوّرون أدواتهم المسرحيّة بالممارسة والبحث. ولم تقتصر التجربة على الفنّ، بل كانت مساحة لتعلّم الحوار الديمقراطيّ، وقبول الاختلاف، والالتزام بقرار الأغلبيّة، ثمّ مراجعة النتائج وتعديلها. وهو ما يفسّر استمرار الفرقة وعطائها الممتدّ لقرابة خمسين سنة. وعقّبت د. جمانة الوائلي مؤكّدةً أنّ دوائر التعلّم الشعبيّ أو الأهليّ تجاوزت حفظ التعليم لتصبح فعل مقاومة وصمود وهويّة بحدّ ذاتها في ظروف الحروب والنزوح، محتضنةً الفنون والتجارب الحياتيّة جنبًا إلى جنب مع العلوم. ثمّ توجّهت بالسؤال إلى أ. صفيّة الوافي حول دور المعلّم في المدرسة، وكيف برز الفرق بين النمطين التقليديّ والشعبيّ؟ أوضحت أ. صفيّة الوافي أنّ دور المعلّم في سياق التعليم الشعبيّ في اليمن، تحوّل جذريًّا بفعل المبادرات المجتمعيّة؛ فمع غياب المعلّمين الأساسيّين وانقطاع الرواتب والخدمات، تسابق المتطوّعون لفتح المساجد والمخيّمات، ولم يمارسوا دور المعلّم الملقّن، بل دمجوا المناهج بالأنشطة والتجارب الحياتيّة والمهنيّة الصعبة، واضعين البدائل العلميّة لكلّ مشكلة واجهت المجتمع في تلك الفترة. من واقع التجربة الميدانيّة، كيف ينتقل أثر التعلّم الشعبيّ ومبادئه إلى داخل الغرف الصفيّة الرسميّة؟ شاركت أ. رهف أبو ضحى تجربتها الشخصيّة، مستعيدةً ذكريات طفولتها في ريف دمشق ونفورها المبكر من "التعليم البنكيّ" القائم على التلقين. وذكرت كيف كان لوالديها دور في كسر هذا النمط بالتنسيق مع معلّمتها في الصفّ الثاني، والتي كانت تسمح لها بالخروج للعب تحت المطر لدقائق تلبيةً لشغفها قبل العودة إلى الصفّ، وهو ما يمثّل مرونة ووعيًا مبكرًا بضرورة تلبية احتياجات الطفل الإنسانيّة. وعن انتقال هذه الفلسفة إلى عملها ميسّرةً مع المعلّمات، أوضحت أنّ المعلّمات اللّواتي انخرطن في رحلات التعلّم الشعبيّ نقلن ممارسات نوعيّة إلى بيئاتهنّ الصفيّة: 1. تشارك الأعراف والقواعد: أصبحت المعلّمات يضعن قواعد الصفّ بمشاركة الطلاّب أنفسهم في بداية الفصل، ما ولّد لدى الطلبة مسؤوليّة ذاتيّة لحمايتها. 2. تشجيع مهارة التساؤل: تفعيل ثقافة السؤال داخل الصفّ وهدم فكرة "السؤال الغبيّ"، ما حفّز التفكير النقديّ لدى الطلّاب. 3. تطوير طرق نقل المعرفة: تحويل المناهج المقرّرة من قوالب جامدة إلى تجارب حيّة قائمة على اللّعب، والزراعة، واختبار الجغرافيا عمليًّا. وأشارت إلى أنّ الحملة بدأت سنة 2017 بـ 55 معلّمة، وتضمّ اليوم قرابة 3600 معلّمة يمارسن أدوات التعلم الشعبيّ والعمل الجماعيّ والديمقراطيّة الصفيّة بشكل مستقلّ، ما يمنح أملًا حقيقيًّا في جعل التعليم مساحة لبناء مهارات التعامل الإنسانيّ وحلّ النزاعات، وليس فقط لحفظ المناهج. كيف يتحدّد الفرق الجوهريّ بين دور المعلّم في المنظومة الرسميّة ودوره ميسّرًا في التعليم الشعبيّ؟ ناقش أ. عبد السلام خدّاش الفروق الهائلة بين التعليم المُمأسس والتعليم الشعبيّ؛ فالتعليم الرسميّ تملكه مؤسّسة، مثل الوزارة، تقدّم منهاجًا جاهزًا ومقرّرًا من قِبل كبار يفترضون أنّهم أفهم من الصغار. ويقوم دور المعلّم فيه على شحن عقول الطلبة بالحفظ والتلقين. وذكر تجاربه مع معلّمات الصفّين الحادي عشر والثاني عشر اللّواتي يقلن له: "كل ما تحكيه على عيننا ورأسنا، لكن امتحانات التوجيهيّ قائمة على التلقين، وإذا علّمنا الطلاب النقد والتحليل فلن ينجحوا"، ما يضطرّ الطلّاب إلى حفظ المادّة وتفريغها في الامتحان، ثمّ تمزيق الكتب مع انتهاء العام، لانتهاء علاقتهم بالمعرفة. وأوضح أنّه في المقابل، يتجلّى دور المعلّم في التعليم الشعبيّ مُيسّرًا يتبادل المعرفة مع المشاركين؛ إذ لا يوجد منهاج فوقيّ، بل ينطلق الدرس من قصص الناس وحياتهم اليوميّة، مثل: ماذا حدث معك اليوم؟ هذا النمط يدمج المعرفة بما يُعرف اليوم بـ "مهارات الحياة"، والتي أكّد أ. عبد السلام أنّه اكتسبها شخصيًّا من واقع الحياة في المخيّم، ومجموعات نقاش الكتب التي علّمته احترام رأي الآخر والإنصات. في حين أنّ التعليم الرسميّ غالبًا ما يعجز عن تقديم حلول للمشكلات الواقعيّة. وأوضح أنّ تركيزه الحاليّ ينصبّ على العمل مع الخرّيجين الجدد في المراكز المجتمعيّة لابتكار أدوات تخلق دافعيّة التعلّم الذاتيّة لدى الطلّاب، لمواجهة الفاقد التعليميّ الهائل في فلسطين، بدلًا من إعادة إنتاج أساليب التدريس الرسميّة الجافّة؛ فالتعليم الشعبيّ يقوم أساسًا على علاقة تبادليّة تتوفّر فيها الدافعيّة لدى المعلّم والمتعلّم معًا. وعقّبت د. جمانة الوائلي بالتساؤل عمّا إذا كان قرار التعلّم الشعبيّ يتطلّب بنية مؤسّسيّة متكاملة ليدوم، بدلًا من كونه مجرّد قرار فرديّ. أجاب أ. عبد السلام خدّاش بأنه إذا تُرِك الأمر للمؤسّسة الرسميّة بصيغتها الحاليّة فلن يتحقّق التغيير الجوهريّ، ودعا المؤسّسات التربويّة المعاصرة إلى إعادة قراءة تجربة المربّي الفلسطينيّ خليل السكاكيني في عشرينيّات القرن الماضي، واستلهام المدارس الفلسطينيّة القديمة التي كانت تقوم على احترام كرامة المعلّم واستقلاليّة الطالب، بدلًا من الاكتفاء باستيراد تجارب غربيّة، مثل فنلندا والنرويج، وتجاهل النماذج الأهليّة الملهمة الغنيّة بدافعيّة التعلّم. وفي السياق نفسه، طرحت د. جمانة الوائلي سؤالًا نقديًّا استقبلته من الجمهور: هل يمكن لاستراتيجيّات التعليم الشعبيّ أن تمكّن المتعلّمين من استيعاب القواعد العلميّة العامّة والضروريّة لاستكمال تعليمهم بعد المدرسة؟ وأكّد أ. عبد السلام خدّاش أنّ التعليم الشعبيّ قادر تمامًا على ذلك، مشيرًا إلى أنّ هذا السؤال يمسّ جوهر المقارنات الدائرة بين النظامين الرسميّ والشعبيّ؛ فبينما تحصر وزارات التربية والتعليم رؤيتها في شعارات، مثل "تهيئة طالب يؤمن بوطنه"، يجدر بها ترك المساحة للطالب ليكتشف اهتماماته الحقيقيّة. واستشهد بمقولة تربويّة تفيد بأنّ "التعليم إشعال للنار داخل المتعلّم، وليس إطفاءً للحريق"، منتقدًا المدارس الحاليّة التي تعمل بوصفها "مطفئة حريق" تقمع أيّ رغبة خارجيّة للاستكشاف، مثل منع طالبة من اللّعب تحت المطر، وتجبر الطلاّب على نمط جامد يمتدّ من الصباح حتّى الظهيرة للحصول على ترتيب طبقيّ (الأوّل والثاني). وضرب مثالًا تجربة "يراعات" التابعة لمؤسّسة تامر للتعليم المجتمعيّ، والتي ركّزت على الكتابة الإبداعيّة والتأمّلية؛ حيث اكتشف بعض اليافعين بعد سنوات من الانخراط في المجموعة، أنّهم لا يحبّون الكتابة، وهو ما اعتُبر نجاحًا باهرًا للتجربة لأنّها ساعدتهم على اكتشاف ذواتهم واهتماماتهم البديلة. وأوضح أنّ جوهر التعليم الشعبيّ يكمن في خلق الأجواء والبيئات التي تساعد على استكشاف الإمكانيّات الهائلة والمتباينة للطلاّب، بدلًا من صهرهم في كتاب واحد، وامتحان واحد، وعلامات متطابقة. مواجهة شحّ الموارد وإعادة تعريف "الوفرة" طرحت د. جمانة الوائلي تساؤلًا وجّهته إلى أ. صفيّة الوافي حول كيفيّة التعامل مع غياب الإمكانيّات والموارد الضروريّة لتأطير العمليّة التعليميّة، مستحضرةً نموذج مدرسة "نعمة رسام" في اليمن خلال الحرب والنزوح. أوضحت أ. صفيّة الوافي أنّ العمل بأكمله قام على التطوّع، وأنّ المتطوّعين الجدد طوّروا أفكارًا قديرة مستوحاة من الواقع الميدانيّ للتغلب على الانعدام التام للسبّورات، والطباشير، والأقلام، والدفاتر، والوسائل التعليميّة التقليديّة. حيث كان المعلّم والمتعلّم يتحاوران في اليوم الأوّل لتصميم درسهما في اليوم التالي بلا موارد، واقتباس تجارب العلوم والكيمياء من موادّ الحياة اليوميّة البسيطة، بأسلوب تشاركيّ جعل المتعلّم معلّمًا والمعلّم متعلّمًا. وأضافت أنّ هذه الظروف منحت الطلاب قوّة وشجاعة أثبتت أنّ الحرب لا تضع الإنسان في عجز بل في صمود؛ لدرجة أنّ الطلاّب كانوا يجمعون من مصروفهم البسيط لشراء وسائل إيضاح أساسيّة. واستعرضت نماذج عمليّة لمواجهة غياب الخدمات: 1. بدائل الإضاءة: الاعتماد على الشموع والمصابيح البسيطة داخل الخيام التعليميّة، وتبرّع الأسر الميسورة بالطاقة الشمسيّة لصالح مساحات التعلّم. 2. إعادة التدوير: جمع الكراتين الفارغة من الشوارع والدكاكين، وتحويلها إلى وسائل تعليميّة بصريّة لطلاّب الصفوف الأولى (الأوّل والثاني والثالث) الذين يحتاجون إلى تجسيد مادّيّ للمعلومات. وعقّبت أ. سيرين حليلة على هذه النقطة برؤية مغايرة لمفهوم "الشحّ والوفرة"، مؤكّدةً أنّ ما يراه البعض شحًّا ماليًّا هو في الحقيقة وفرة في موارد أخرى بديلة لا نراها، لأنّنا اعتدنا النظر إلى اتّجاه واحد. واستدلّت بدراسة مرجعيّة أجرتها مؤسّسة تامر سنة 1989 (إبّان الانتفاضة الأولى)، لتقييم التحصيل المدرسيّ في اللّغة العربيّة والرياضيّات لطلبة الصفّين الرابع والسادس الابتدائيّ في كافة مناطق الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، في ظلّ إغلاق الاحتلال المتواصل للمدارس. وجاءت نتائج الدراسة لتكشف عن ثلاثة استنتاجات شكّلت فلسفة عملهم اللاحقة: 1. تحصيل طلبة الصفّ الرابع كان أفضل من الصفّ السادس، على الرغم من الغياب الطويل عن المقاعد الدراسيّة. 2. تدنّي التحصيل في الرياضيّات مرتبط بضعف الفهم اللّغوي والسياقيّ، وليس بالقدرة الحسابيّة المجرّدة (حيث تنخفض نسبة الإجابات الصحيحة بمقدار 30% فور تحويل المسألة الحسابيّة إلى مسألة لغويّة وقصّة واقعيّة). 3. المفاجأة الأكبر تمثّلت في تطابق نتائج التحصيل للطلّاب الذين داوموا 60 يومًا فقط، بفعل الإغلاقات مع نتائجهم في سنوات الدوام الكامل (200 يوم) قبل الانتفاضة. وبناءً على هذه المؤشّرات، ركّز التعلّم الأهليّ على "التعبير بكافة أشكاله" أصلًا للفهم والوعي، من دون حصر التعليم في المنهج المدرسيّ الضيّق، وفتح المساحات للتأمّل والتجريب، مستشهدةً بتجربة الباحث الحكواتيّ الراحل حمزة العقرباويّ الذي لم ينخرط في مسارات أكاديميّة تقليديّة، لكنّه من خلال الشغف والتعلّم التبادليّ في "مشروع حكايا"، نجح على مدار عشر سنوات في جمع التاريخ الشفويّ وقصص الأماكن والأشخاص، ملهِمًا قطاعات واسعة من المجتمع بما تعجز المدارس عن تعليمه بنصف وقتها. ودعت سيرين المدارس إلى الانفتاح على المجتمع بصفتهم أهلًا وموظّفين وطلّابًا يمثّلون معلّمين حقيقيّين، مؤكّدةً أنّ أيّ معرفة علميّة (فيزياء أو كيمياء) لا ترتبط بفعل وسياق خارجيّ مصيرها النسيان. استدامة التعلّم الأهليّ وتحدّيات البنية المؤسّسيّة وردًّا على تساؤل د. جمانة حول مدى استدامة هذا النموذج وقدرته على إحداث تأثير طويل المدى، أكّدت أ. رهف أبو ضحى إمكانيّة الاستدامة بربط المفهوم بالتمويل. وأوضحت أنّ تجارب منطقتنا التاريخيّة، من الانتفاضة إلى حرب اليمن، أثبتت قدرة الشعوب على التعلّم عبر التكافل الاجتماعيّ وإيجاد البدائل دون ارتهان للمؤسّسات والتمويل الخارجيّ. وأعطت مثالًا بحلقات التعلم الشعبيّ التي نظّمتها المعلّمات الـ 55 في بيوتهنّ، حيث اتُّفقَ على عدم إثقال كاهل المضيفة بأكثر من فنجان قهوة سادة، فكان المورد الحقيقيّ هو البيت والإنصات المتبادل. واستحضرت فلسفة المربّي خليل السكاكيني في جعل محيط المدرسة حديقة وعالمًا تفاعليًّا ينظّفه الطلّاب ويمارسون فيه الأنشطة. كما أشارت إلى تجربة "الملتقى التربويّ العربيّ" الذي استمرّ على الرغم من اتّخاذ قرار إغلاقه كمؤسّسة سنة 2013، بفضل مبادرات الشباب الذاتيّة في تنظيم "المجاورات" والتجوال والسفر في الضفّة الغربيّة بلا تمويل، مشدّدةً على أنّ الاستدامة تتطلّب صدقًا من الميسّر باعتباره متعلّمًا شريكًا يتبنّى قيم باولو فريري في تحويل التأمّل إلى سلوك واعي. وفي مقاربته للصعوبات الميدانيّة التي تحول دون المشاركة الفعليّة للمتعلّمين، شخّص أ. عبد السلام خدّاش الأزمة في بنية المؤسّسات التعليميّة المركزيّة ذاتها؛ موضحًا أنّ المؤسّسات المعاصرة تعجز عن إنتاج متعلّمين متحرّرين نظرًا إلى غياب الممارسة الفعليّة للحرّية ضمن المؤسّسة، فضلًا عن قيام المدرسة بسحب دور المجتمع والأهالي في التربية واحتكار المعرفة. وأضاف خدّاش مفارقة صادمة مستندة إلى دراسة ميدانيّة حول البيئة التعلّميّة، كشفت عن ارتفاع معدّلات العنف داخل البيوت؛ وعند فحص الأسباب تبيّن أنّ "المدرسة هي المصدّر الأساسيّ لهذا العنف" بسبب عبء الواجبات المدرسيّة والمنهاج المتكدّس، ما يحوّل الأمّهات قسرًا إلى معلّمات يمارسن الضغط والتوتر على الأبناء لإنهاء المواد. وجاءت أطروحات المتحدّثين لتلخّص التحدّيات والحلول في النقاط الآتية: وجه المقارنة منظومة التعليم الشعبيّ والأهليّ (المجتمعيّ) المنظومة التعليميّة الرسميّة (المركزيّة) الدافعيّة والالتزام طوعيّ وذاتيّ (يقوم على الرغبة والشغف بممارسة الفنون والرياضة والأنشطة). إلزاميّ وقسريّ (ينتج نفورًا لدى الطلاّب منذ الصفوف الأولى). محور العمليّة قائم على السؤال والنقد والتحليل واستكشاف إمكانيات الذات. قائم على الجواب الجاهز والتلقين لحماية سلطة النظام وهيبته. مصير المعرفة مستدام ويرتبط ببناء مهارات الحياة وفهم الذات ومن ثم فهم العالم. ينتهي أثرها بانتهاء امتحانات "التوجيهيّ" وتفريغ المعلومات وتمزيق الكتب. وأشار أ. عبد السلام خدّاش إلى وجود خوف بنيويّ لدى السلطات التعليميّة والمؤسّسيّة من التعليم القائم على السؤال، لأنّ الطالب المتحرّر والناقد سيرفض الأنظمة الجامدة وينتقد المدرسة في أوّل خطوة. ودعا إلى عدم استنساخ تجربة التعليم الشعبيّ الفلسطينيّ حرفيًّا لكونها وليدة سياق نضاليّ خاصّ واجه إغلاقات الاحتلال وعقوباته، بل استلهام جوهرها المتمثّل في احترام كرامة المعلّم. وأكّد (مستندًا إلى 6 دراسات تتبّعيّة من عام 1989 حتى العام الحاليّ 2026) أنّ مشكلة التعليم الكبرى لا تُحلّ بتغيير المناهج أو تكرار التدريب، أو تكرار الدراسة لأنّ النتائج ستُعيد نفسها، بل بإعادة الاعتبار لكرامة المعلّم وتقديره، والعودة إلى نماذج تاريخيّة أصيلة مثل مدارس السكاكيني بدلًا من استيراد نماذج غربيّة جاهزة. دمج النموذج الشعبيّ في الأنظمة المستقرّة والتعليم الرقميّ وفي سؤال مركزيّ طرحته د. جمانة حول إمكانيّة تحويل استراتيجيّات التعلّم الشعبيّ من خطّة طوارئ بديلة إلى بنية أصيلة ومدمجة في الأنظمة المستقرّة، جزمت أ. سيرين حليلة بنجاح الأمر، مؤكّدة وجود الكثير من التربويّين في المدارس والجامعات الذين يطبّقون فكرة "المجاورة"بمبادرات فرديّة، حيث يتجاور المعلّم مع الطلاّب بوصفهم جيرانًا شركاء في الوعي والخبرة. وانتقدت سيرين إدارات التعليم إبّان جائحة كورونا التي هرعت نحو "التعلّم عن بُعد" وتجاهلت "التعلّم عن قُرب"؛ إذ كان المعلّمون والطلّاب متواجدين في العمارات والحارات نفسها، وكان يمكن تقسيمهم في مجاورات تعلّميّة حيّة بدلًا من حشر الأطفال وتكبيلهم أمام الشاشات والأيباد وإرهاق الأسر، فقط تلبيةً لقيود إداريّة تفرض دوام المعلّم في مدرسة محدّدة لاستحقاق راتبه. وهذا الانفتاح هو ما طبّقته أ. صفيّة الوافي في اليمن؛ حيث نجحت مدرستهم في تحويل الأنشطة الميدانيّة الطارئة، مثل تعليم الفتيات الخياطة، والرسم، والتدبير، والصيانة، والحدادة لمساعدة الأسر ماليًّا ومواجهة الفقر، إلى ممارسات ومناهج ثابتة ومستمرّة حتّى بعد تفكّك قيود الحرب والعودة إلى المبنى المدرسيّ. بل امتدّ الأثر لافتتاح مراكز صيفيّة ومشاغل خياطة ومعارض رسم مستقلّة خارج أسوار المدرسة تديرها الخرّيجات، بالإضافة إلى تطوير مسار "التعليم الرقميّ". وفي ما يخصّ تقاطع التكنولوجيا مع التعلّم الشعبيّ، أكّدت أ. رهف أبو ضحى ضرورة الاستمرار في الاستثمار في "القرب الإنسانيّ والمجاورات الحقيقية على الأرض"؛ معتبرةً أنّ التكنولوجيا السريعة قد تسرق منّا قيمة العيش المشترك، فضلًا عن كون تجارب التعلّم الشعبيّ الناجحة منذ سنة 2017 وحتّى اليوم، بُنيت واختُبرت على الأرض وليس عبر الإنترنت. وشاطرها أ. عبد السلام الرؤية ذاتها، موضّحًا أنّ المشكلة ليست في أدوات التعلّم عن بعد أو الأزمات مثل كورونا، بل في البنية التلقينيّة التي تجعل الطالب عُرضة لفاقد تعليميّ هائل فور حدوث أيّ طارئ. بينما لو بُني التعليم على البحث والاستنتاج، لامتلك الطالب آليات ذاتيّة للوصول إلى المعرفة وتحليلها برفض قيود المؤسّسة الرسميّة ومقاومتها، مستشهدًا بكلمة غاندي: "أنا مستعدّ أن أفتح نوافذي لأيّ شيء بشرط أن أكون ثابتًا على الأرض". والثبات هنا هو قدرة الطالب على فهم ذاته واستكشاف إمكاناته لتترك له المدرسة مساحة حلّ مشكلاته بنفسه. خاتمة الندوة وآفاق العدالة الاجتماعيّة عبّرت د. جمانة الوائلي في ختام هذه المناقشات الثريّة، عن رؤيتها الاستشرافيّة لمستقبل هذا النمط التعليميّ البديل؛ إذ أشارت إلى أنّها، وعلى الرغم ممّا قد يبدو في نظرتها من تفاؤل مفرط أو طابع ورديّ، ترى في التعلّم الشعبيّ حلًّا مستدامًا لمشكلات التعليم المعاصر. هذا الحلّ يرتكز أساسًا على خلق الوعي النقديّ، وتمكين المتعلّم من تبادل الأدوار مع الميسّر ليكون هو الآخر معلّمًا، والمضيّ معًا على قدم المساواة والتكافؤ لبناء مجتمع تعلّميّ حقيقيّ يقطع دابر التلقين والبنكيّة. وأضافت د. جمانة أنّها تُثمن وتدعم فكرة التحاور الإنسانيّ المباشر وجهًا لوجه أصلًا في العمليّة التعليميّة، مع التأكيد على أنّ التكنولوجيا ليست أداة سلبيّة بالضرورة، بل يمكن استثمارها بذكاء لتعزيز التعلّم الشعبيّ وتوسيع نطاق أثره. وأكّدت أنّ الهاجس الأكبر والسؤال الذي سيبقى حيًّا لديها ولدى جمهور "منهجيّات"، هو البحث الدائم عن العدالة الاجتماعيّة من وراء التعلّم، والسعي لجعل التعلّم الشعبيّ أداة حقيقيّة لإنتاج هذه العدالة التي تغيب مع الأسف عن الكثير من مدارسنا ومؤسّساتنا التعليميّة التقليديّة. واختتمت ميسّرة الندوة بالتأكيد على الخلاصات المشتركة التي طرحها المتحدّثون؛ ومفادها أنّ ديمومة هذا النمط تتطلّب بالضرورة تحوّلًا يتجاوز الجهود الفرديّة للمعلّم أو الميسّر نحو بناء تعاون مؤسسيّ متكامل، وتوفير التمويل والدعم اللازمين لتصدير فكرة التعلّم الأهليّ والشعبيّ منهجيّةً بنيويّةً ومستدامة داخل أنظمتنا ومؤسّساتنا التربويّة العربيّة.

ندوة: التعاون المهنيّ بين المعلّمين: بين المبادرة والتخطيط الإداريّ

عقدت "منهجيّات" ندوتها لشهر نيسان/أبريل 2026، بعنوان "التعاون المهنيّ بين المعلّمين: بين المبادرة والتخطيط الإداريّ". وركّزت على ثلاثة محاور، هي:1. أثر القيادة التربويّة في تعزيز التعاون. 2. إلى أيّ مدى ينمو المعلّم بفضل التعاون؟ 3. التعاون ضرورةً لبناء الطالب.استضافت الندوة مجموعة من المتحدّثين، هم: أ. آسيا شهاب، نائبة مدير المرحلة الابتدائيّة في مدرسة دوليّة – تركيا/لبنان؛ أ. ندى الأشقر، معلّمة تكنولوجيا معلومات ومدرّبة في التعليم الإلكترونيّ – فلسطين؛ أ. نجود الخوالدة، منسّقة مادّة اللّغة العربيّة في المرحلة المتوسّطة – مدرسة الأهليّة والمطران – الأردن؛ أ. ميرنا رسلان، مديرة أكاديميّة قطر – السدرة – قطر/لبنان.أدارت الندوة د. لينا القوزي – لبنان. واستهلّت الندوة بالتعريف بـ"منهجيّات" بوصفها مجلّة تربويّة إلكترونيّة دوريّة موجّهة لكلّ العاملين في القطاع التربويّ في السياق المجتمعيّ. تعمل المجلّة على نشر المساهمات العربيّة والعالميّة المثرية والملهمة دوريًّا، وبأشكال تعبير مختلفة ووسائط متعدّدة، وتتابع المستجدّات في الحقل، وتشجّع الحوار الذي يثري التجربة التربويّة في العالم العربيّ، ويجعل منها مصدرًا إنسانيًّا ومعرفيًّا قيّمًا للأفراد والمؤسّسات. ودعت جمهور الندوة إلى متابعتها والمشاركة في أقسامها.في بداية الحديث عن موضوع التعاون المهنيّ بين المعلّمين، أكّدت أنّ العمل التربويّ لم يعد جهدًا فرديًّا في ظلّ التسارع والتحوّلات التي يشهدها التعليم في وقتنا الحاليّ، مشيرةً إلى أنّ التعاون المهنيّ أصبح ركيزة أساسيّة لتحسين جودة التعلّم ونموّ المعلّم؛ فالتعاون لا يقتصر على تبادل الأفكار، بل يمتدّ ليشمل بناء فهم مشترك، وممارسات تربويّة، وتأمّلات جماعيّة تسهم في تحسين جودة تعلّم الطلبة ورفاههم.وعندما يصبح التعاون جزءًا من ثقافة المدرسة، يتحوّل من مهمّة إضافيّة إلى ممارسة يوميّة أصيلة، تثري التجربة التربويّة وتدعم الاستدامة والتطوّر. المحور الأوّل: أثر القيادة التربويّة في تعزيز التعاون. ما المدرسة القائمة على التعاون وكيف تبدو ثقافتها في الممارسة اليوميّة؟تحدّثت أ. ميرنا رسلان عن المدرسة بوصفها نموذجًا لنظام اجتماعيّ قائم على عاملين أساسيّين:• العامل البشريّ: الكادر الأكاديميّ والكادر الإداريّ. • العامل الإداريّ: الأنظمة المؤسّساتيّة والسياسات والإجراءات المعمول بها داخل المدرسة. وحتّى يكون هذا النموذج ناجحًا، يجب أن يكون هناك تجانس بين العاملَين السابقين، وتعاون بين أعضاء العامل الأوّل (العامل البشريّ). المدارس المحظوظة هي تلك التي يمتلك العنصر البشريّ فيها انسجامًا في ما بينهم، يتواصلون بشكل فعّال ويقومون بمبادرات وغيرها من أشكال العمل التعاونيّ.نموذج المدارس المحظوظة هذا نادرًا ما نجده، وإذا وُجد يكون بين مجموعة من أعضاء العنصر البشريّ يعملون معًا بانسجام، لكن، يبقى هناك عدم تجانس في مواضع معيّنة؛ إذ نلاحظ وجود المنافسة وأجندات داخليّة، وعدم تقبّل العناصر الجديدة التي تنضمّ إلى المجموعة. وهذا أمر بشريّ لا يمكننا السيطرة عليه.ما يمكن لإدارة المدرسة فعله هو تأطير التعاون عبر خلق أنظمة وسياسات تنظّم هذا التعاون بين الزملاء، على أسس من الاحترام وتقدير الفرد، وتقدير القيمة المضافة لكلّ فرد في الفريق، مع إيمان كبير بأنّ "قوّة المجموعة أكبر من مجموع الجماعة"؛ فعندما يكون لدينا فريق قويّ ومتجانس سيكون أثره كبيرًا.الأهمّ من ذلك أن نخلق في المدرسة ثقافة تقدير لعمل المجموعات، وهذا يحدث عند تفعيل مبدأ المجتمع التعلّميّ المهنيّ، كما نؤكّد على أهمّيّة وجود بيئة آمنة للفرد تساعده على الإسهام والمشاركة بأفكاره وآرائه والتحدّيات التي تواجهه، وهذا يحدث فقط عندما يكون لدى المعلّم ثقة بالنظام وثقة بالإدارة.في المدرسة القائمة على التعاون، على النظام تفعيل دور المجموعات المهنيّة، والتأكيد الدائم على التواصل المستمرّ بين الفرق، وأن نفكّر دائمًا في المسيرة المهنيّة لكلّ معلّم عند اختيار أعضاء المجموعات، إضافةً إلى أن تؤخذ قدرة المعلّم بعين الاعتبار عند إقرار الترقيّات في المدرسة. كيف يتمّ التنسيق بين القيادة العليا والوسطى لضمان استدامة هذا العمل؟قالت أ. آسيا شهاب إنّ الوضوح في الرؤية وتكامل الأدوار أمران أساسيّان. فعندما تضع القيادة العليا التوجيهات والاستراتيجيّات للتعاون المهنيّ، تعمل القيادة الوسطى في هذا الوقت على ترجمة هذه الرؤية إلى ممارسات يوميّة داخل الحصّة. من هنا، يصبح هذا جزءًا من ثقافة المدرسة، ويتمّ ذلك من خلال تحديد وقت للتعاون، والتشجيع على المشاركات، ليصبح هذا التعاون من الممارسات اليوميّة لفريق العمل.وتتحقّق استدامة التعاون من خلال المتابعة والتواصل المنتظم القائمَين على التغذية الراجعة للمعلّمين، مع تخصيص وقت واضح للتخطيط المشترك منذ البداية، ما يساعد على تدعيم جودة التعليم.ولا شكّ أنّ تطبيق هذا التعاون قد يواجه تحدّيات، خصوصًا أنّ بعض المعلّمين الجدد قد يكونون قادمين من مدارس لا تمارس فيها ثقافة التعاون المهنيّ. ولكن، عندما يرى هؤلاء المعلّمون الجدد زملاءهم ملتزمين بهذا الأمر، وأنّ التعاون جزء أساسيّ من سياسة المدرسة، سيتأثّرون تلقائيًا ويلتزمون بهذه السياسة. من واقع تجربتك، كيف تصنع القيادة بيئة يشعر فيها المعلّم أنّ التعاون ضرورة مهنيّة وليس عبئًا إضافيًا؟داخلت أ. نجود الخوالدة بأنّنا عندما نتحدّث عن تحقيق التعاون بين فريق العمل، لا بدّ أن نتحدّث عن العديد من الممارسات اليوميّة التي يجب أن نتّبعها لندفع المعلّم إلى الشعور بحاجته إلى هذا التعاون، ويخطو نحوه من دون إجبار، ويجد فيه وسيلة لتحقيق النجاح. وسأذكر هنا بعض الممارسات المرتبطة بالدائرة وفريق العمل:• الهدف: حين يُصمَّم هدف التعاون، يجب أن يُبنى على حاجة مشتركة وليس حاجة فرديّة، ويُبنى الهدف مع الفرق ونتيجةً لاقتراحاتهم ومحادثاتهم الداخليّة. على سبيل المثال: على مستوى الدائرة يلمس الفريق، في زحمة الاهتمام بالأعمال الكتابيّة، أنّنا ابتعدنا عن الإكثار من التنويع في أساليب التقييم، ولا سيّما تعزيز ثقافة التقييم المبنيّة على المشاريع، فجاء هدف تنويع أساليب التقييم مبنيًا على حاجة المعلّمات، وكانت الاستجابة له سريعة. • طبيعة المهمّة: إذا كانت المهمّة تُنجز فرديًّا ويمكن للمعلّم إنجازها فرديًّا فلن يتعاون. المعلّم يتعاون حين تُبنى المهمّات بحيث تتطلّب تبادل الخبرات وتكاملها وإنتاج عمل مشترك. على سبيل المثال، منذ مدّة قمنا بتأسيس بنك للأعمال الأدبيّة التي ندرّسها في منهاج مادّة اللغة والأدب، وأسّسنا بنكًا للقراءات. وعندما نقول بنكًا للقراءات أو للأعمال الأدبيّة، فإنّ هذه المهمّة لا يمكن أن تُنفَّذ من منظور واحد، فهي مهمّة تشاركيّة تحتاج إلى تبادل الخبرات. وأحيانًا خلال التخطيط، نطلب تنفيذ مهمّات داعمة للطلبة، مثل تصميم فيديوهات تعليميّة. • تقليل الأعباء مقابل التعاون: عندما يشعر المعلّم بأنّ التعاون عمل إضافيّ فلن يتعاون. لذلك على القيادة الحكيمة اتّخاذ إجراءات ملموسة، مثل:- إعطاء مساحات زمنيّة للتعاون داخل المدرسة، من خلال مرونة البرنامج وعدم المبالغة في أنصبة المعلّمين.- التخفيف من المهمّات الفرديّة. في مدرستنا استُحدِثت أقسام تتولّى بعض المهام الفرديّة التي كانت تستنزف وقت المعلّم. • الحرص على إبراز الأثر الحقيقيّ للتعاون: مثل تشارك النجاحات في تحسّن أداء الطلبة. هل يحتاج التعاون إلى رصد ميزانيّة عالية، أم أنّ جوهره يرتبط بالتنظيم؟بدأت أ. ميرنا رسلان إجابتَها بالإشارة إلى أنّ كلّ مدرسة في العادة ترصد ضمن ميزانيّتها مبالغ للتدريب والفعّاليّات والموارد، وبالتأكيد هذه الميزانيّات محدودة، لذلك، التنظيم الفعّال والاستراتيجيّ للميزانيّات مهمّ جدًا، والعبثيّة هنا ممنوعة.مثال:في مدرستنا ميزانيّة محدّدة للتدريب، ولدينا وقت فراغ في التقويم المدرسيّ وبالجدول الأسبوعيّ للتدريب الداخليّ. وعلى المدير عندما يخطّط مع الفريق في أوّل السنة، تحديد أوقات في هذا الجدول لتعاون الأقسام وتشارك الاستراتيجيّات والعمل على مبادرات جديدة.ومن المهمّ جدًّا داخل التقويم أن نعطي مساحة للفعّاليّات الاجتماعيّة البحتة، وليس بالضرورة أن تكون هذه الفعّاليّات مكلفة، فقد تكون إفطارًا جماعيًّا أو ليلة أطباق تشاركيّة. والأهمّ من ذلك كلّه هو الحضور الإيجابيّ للمدير وكلمته الطيّبة؛ فحضور المدير وتواجده على الأرض مع المجموعات يكون قدوة لفريق العمل.على الإدارة أيضًا بناء سياسة توجيه وإرشاد؛ فمنذ لحظة انضمام الأستاذ إلى المدرسة يجب أن تُحدَّد له طريقة للتدرّج في المناصب داخل المدرسة، وأن تربط الترقية في المناصب بقابليّته للتعاون وقدرته على العمل الجماعيّ.تعاون المعلّمين يؤثّر في المناخ العام للمدرسة ويجعل جوّها إيجابيًّا، وهذا ينتقل إلى الطلبة داخل الصفوف.كلّ ذلك يساعد على جعل التعاون جزءًا من سياسات المدرسة دون التأثير في ميزانيّتها. المحور الثاني: إلى أيّ مدى ينمو المعلّم بفضل التعاون؟ متى يكون التعاون بين المعلّمين حقيقيًّا ومنتجًا للنموّ، ومتى يكون مجرّد تنسيق شكليّ؟ وكيف ننتقل من "الأنا" إلى "التكامل"؟قالت أ. نجود الخوالدة إنّه إذا أردنا أن يكون التعاون حقيقيًّا ومنتجًا، فهناك ممارسات نقوم بها على مستوى القسم والدائرة، منها:• أن يُبنى هذا التعاون على مشكلة حقيقيّة: في ظلّ ثورة الذكاء الاصطناعيّ، ظهرت لدينا بعض الممارسات الخطأ من قِبل الطلبة أثناء استخدام هذا الذكاء، ولا سيّما في الواجبات. تنبّهنا لهذه المشكلة وأصبح الوعي بها على مستوى المدرسة، فعملت المدرسة على وضع سياسة ضابطة للذكاء الاصطناعيّ من قِبل الطلبة. لا أقول سياسة تمنع، إنّما تضبط هذا الأمر. هذا العمل المشترك جاء نتيجة مشكلة تحسّسها المعلّم، وقد شهد بناء هذه السياسة جهدًا مشتركًا وتعاونًا من جميع المعلّمين، والعمل بشغف لتجاوز هذه المشكلة. • عندما يعلي المعلّم من قيمة التعلّم: نركّز دائمًا على الرحلة لا النتيجة النهائيّة. على سبيل المثال، عندما يقدّم المعلّم ورشة لا نطلب منه فقط أن يتحدّث عن ردود أفعال المشاركين والثناء الذي حصل عليه، بل نطلب منه مشاركة رحلته التعليميّة. • أن ينتج عن هذا التعاون تغيير فعليّ في الممارسة. • أن يكون التعاون قائمًا على التكامل: يجب أن يشعر المعلّمون بقيمة التكامل حتّى يحقّق التعاون النموّ. فمثلًا في برامج الخدمة المجتمعيّة التي تُعدّ ركيزة أساسيّة في بعض البرامج الأكاديميّة، قمنا ببرنامج خدمة خاصّ بالمكفوفين. فخبرات الخدمة الاجتماعيّة في المدرسة عندما تكاملت مع خبرات معلّمي اللغة العربيّة كانت النتائج عظيمة، وهنا تلمّس المعلّمون قيمة تحقيق التعاون. • أن يُرى الأثر في الطلبة: مثل نظام وجود معلّمين داخل الغرفة الصفّيّة، فعندما يتعاون معلّمان في تخطيط الحصّة وإدارتها، يكون نجاحهما مترابطًا، ويكون أثر النجاح في الطلّاب مرتبطًا بالمعلّمين الاثنين وليس بواحد فقط. كيف يمكن بناء بيئة تعاون مهنيّ خلال الأزمات تعزّز النموّ الذاتيّ للمعلّم، وتحافظ على توازن فعّال مع التوجيه القياديّ؟قالت أ. ندى الأشقر إنّ التعاون في الظروف العاديّة قد يبدو رفاهيّة، لكن في الأزمات يُعدّ وسيلة بقاء، لما له من دور وأثر في العمليّة التعليميّة، ومسؤوليّته الاجتماعيّة قبل الحديث عن نموّه.يشعر المعلّم خلال الأزمات بضغط مثل أيّ شخص آخر، ويتعرّض إلى قرارات مفاجئة وسريعة (دوام إلكترونيّ ودوام وجاهيّ، وجود رواتب أو عدم وجود رواتب). كما يواجه المعلّم شكلًا من أشكال العزلة، تحديدًا عندما يكون التعليم إلكترونيًّا.كلّ هذه الضغوطات في حالات الأزمة تجعل المعلّم مضطربًا، وهو بحاجة إلى بيئة متعاونة تحتويه وتهدّئ من روعه. ومن الأشياء التي لا أنساها إطلاقًا عندما كنت في بداية حرب الإبادة على غزّة، أنّني كنت أحتاج إلى قطع حاجزين أو ثلاثة للوصول إلى مدرستي، فوجدت أنّ مديرتي بدّلت لي الحصّة الأولى وأعطتني مساحة لشرب قهوتي، لأنّني كنت بحاجة إلى ذلك بعد ما مررت به قبل الوصول إلى المدرسة.المعلّم المتعاون معلّم متعاون داخل الأزمات وخارجها، وقد يكون هدفه التطوّر المهنيّ وهذا لا يعيبه. أو قد تكون طبيعته أنّه شخص متعاون داخل مدرسته وعائلته ومجتمعه. والمطلوب من المعلّمين والقيادة ألّا يُنظر إلى المعلّم المتعاون على أنّه تهديد، فهو بطبيعته يحاول خلق ظروف أسهل للعمليّة التعليميّة تعكس أثرًا إيجابيًّا في الطلّاب.في تجربتي في التعليم الإلكترونيّ كنت أبذل جهودًا كثيرة. نعم كانت مطلوبة منّي، لكن ليس بالجودة التي قدّمتها، ومع ذلك كنت أحاول أن أجعل تجربة زملائي في التعلّم الإلكترونيّ أفضل، ليس بهدف التباهي بمهارات تقنيّة، بل من أجل الحفاظ على سيرورة التعليم داخل الأزمة وعدم انقطاع الطلّاب عن التعليم.دور القيادة هنا:• تعزيز المعلّم المتعاون.• ألّا يُبرز شكل من أشكال المشاحنات بين المعلّم المتعاون والمعلّم الذي لا يمتلك الكثير من المهارات في هذا الجانب، على رغم أنّه قد يكون رائعًا في تدريس مادّته. ويمكن للمدير أن يسلّط الضوء على مهارات أخرى لدى هذا المعلّم، مثل قدرته على احتضان الطلّاب. التعاون ليس خيارًا تنظيميًّا، بل ثقافة إنقاذ بالدرجة الأولى. ما الذي يجعل قيادة تربويّة معيّنة أكثر دعمًا للتعاون مقارنة بغيرها؟ وكيف تؤثّر هذه الثقافة في رفاه المعلّم وتقليل ضغطه المهنيّ؟بدأت أ. ميرنا رسلان بالحديث عن الثوابت، مذكّرة بكمّ الضغط الهائل على المعلّمين، ومشيرة إلى أنّ الإداريّين مطلوب منهم أسلوب إدارة حكيم واستراتيجيّ لتفعيل هذا التعاون وتقليل الضغط على المعلّم، وذلك من خلال:• البحث عن نقاط القوّة لكلّ عضو من أعضاء الفريق. • تأطير التعاون بطريقة تقلّل من المشاحنات السلبيّة وتزيد من تجانس أعضاء الفريق. • فرض تعاون مهنيّ واحترام بين جميع الموظّفين، مع اتّخاذ إجراءات مناسبة في حال حدوث أيّ مشاحنات بين أعضاء الفريق وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه. • تصويب البوصلة وتحديد الهدف من التعاون بإشراك المعلّمين أنفسهم. • تقريب وجهات النظر وتيسير اجتماعات تُنشئ جوًّا تعاونيًّا بين الأفراد. • إزالة الحواجز بين المعلّم والمدير ليشعر المعلّم بالأمان. جميع ما سبق يجعل المعلّم يشعر بالرفاه والتقدير.وأضافت: بصفتها مديرة، تعمل منذ استلامها هذا المنصب على خلق مجتمع مهنيّ متفكّر، إذ تقوم في نهاية كلّ فصل بعقد اجتماع تأمّلي مع كلّ زميل من العاملين في المدرسة، وتطرح خلال هذه الاجتماعات ثلاثة أسئلة:o ما الأشياء الإيجابيّة التي حدثت هذا الفصل بالنسبة إليك؟ o ما الأشياء السلبيّة أو التحدّيات التي واجهتها هذا الفصل؟ o برأيك، كيف يمكننا تطوير ممارساتنا حتّى نحسّن البيئة العامّة لك وللتلاميذ وللمدرسة؟ أدوّن بعد ذلك كلّ البيانات، ثم أحلّلها. وبعد تحليلها تتكوّن عندي فكرة عن الأشياء الإيجابيّة، والأشياء السلبيّة والمواضيع التي يجب التركيز عليها في الفصل القادم. هذه المحاور أشاركها مع الزملاء في بداية الفصل الثاني، أو في بداية العام الجديد في ورشة عمل نتناقش فيها. ويعمل الأساتذة بالاستناد على هذه البيانات بشكل فريقيّ ليخرجوا منها أهداف الفصل القادم أو السنة القادمة وخطط التنفيذ لهذه الأهداف. يشعر بذلك الأستاذ أنّ صوته مسموع. كيف يمكن للمعلّم أن يحوّل خبراته اليوميّة داخل الصفّ إلى مصدر مستمرّ للتعلّم والتطوير المهنيّ من دون الاعتماد على الدورات الرسميّة وحدها؟بحسب أ. آسيا شهاب يستطيع المعلّم تحقيق ذلك عندما:• ينظر إلى ممارساته اليوميّة الصفّيّة بوصفها فرصًا للتأمّل والتطوير، بتحليل استجابات الطلّاب وتقييم ما ينجح وما يحتاج إلى تحسين، ومن ثم يتشاور مع الأساتذة الآخرين الذين يدرّسون الصفّ نفسه، ويتشارك هذه التأمّلات معهم. • تفتح المدرسة الباب للزملاء لمشاركة خبراتهم مع بعضهم البعض، إذ يمكن أن تندب المدرسة معلّما لحضور ورشة، ثمّ ينقل ما اكتسبه من خبرات إلى زملائه.• ترى القيادة العليا المعلّم يستخدم استراتيجيّة مميّزة في مادّته، وتطلب إليه نقلها إلى زملائه. يشعر المعلّم بالتقدير والدافعيّة إلى التعاون، وهذا ما قمنا بتطبيقه في مدرستنا ووجدنا فيه نتائج ممتازة على العمليّة التعليميّة.• الزيارات الصفّيّة المتبادلة بين الأساتذة. • خلق ثقافة الثقة والانفتاح بإتاحة مساحة آمنة للمعلّمين لمشاركة أفكارهم، وأخذ القيادة العليا هذه الأفكار بعين الاعتبار. المحور الثالث: التعاون ضرورةً لبناء الطالب. انطلاقًا من تجربة غزّة، كيف يكون التعاون في عالم افتراضيّ وفي ظروف قاهرة؟ وكيف تدعم المنظومة التعاونيّة الطالب نفسيًّا وأكاديميًّا (مهارات البقاء)؟قالت أ. ندى الأشقر إنّ تجربتها مع طلّاب غزّة في التعليم الإلكترونيّ هي التي صنعت المعلّمة التي تتحدّث الآن، وكانت تجربة تطوّعيّة على مرحلتين:المرحلة الأولى مع طلّاب غزّة الذين نجحوا في الخروج من غزّة إلى مصر قبل إغلاق المعبر. وهنا نتحدّث عن طلّاب في مكان آمن يتوفّر فيه الإنترنت. هم ناجون من الحرب ولكن بظروف تختلف عن الطلّاب في المرحلة الثانية. وكنت في هذه المرحلة معلّمة تكنولوجيا معلومات للصفوف العاشر والحادي عشر والثاني عشر.المرحلة الثانية كانت مع طلّاب غزّة الذين ما زالوا داخل غزّة، داخل الخيم وأماكن النزوح، وهنا كنت مهندسة دعم تقنيّ، ومسؤولة عن الأمور التقنيّة لـ 35 ألف طالب، يحتاجون مني أن أتواصل معهم وأحلّ لهم مشاكلهم التقنيّة. وما كان يحدث حقيقة من طرفنا هو محاولات للحفاظ على إنسانيّة هؤلاء الطلّاب، وعلى شعورهم بأنّهم طلّاب داخل صفّ ولديهم معلّمون ومدير ومرشد.الطالب هنا كان يحتاج إلى نوعين من الدعم:• الدعم الأكاديميّ: نخفّف المادّة قليلًا ونركّز أكثر على الأساسيّات. لا نُخيف الطالب كثيرًا من موضوع الحضور الإجباريّ، يكفي أن ينفّذ بعض المهمّات ويقوم برفعها والمتابعة من خلال مجموعات الواتس آب لأنّها تستهلك إنترنت أقلّ من برنامج تيمز. • الدعم النفسيّ: لم يكن الطالب مستعدًّا نفسيًّا للتعلّم. ومن خلال الشقّ التقنيّ، ساعدنا الطالب عبر التواصل السهل مع الدعم التقنيّ في مجموعات الواتس آب، أو التواصل الدائم على الهاتف، لأنّ الطالب في غزّة قد يسير ساعتين حتّى يشحن هاتفه. لذلك، كنّا جاهزين للردّ على مكالمته وإعطائه نصائح وتعليمات في الوقت الملائم له، وليس الوقت الملائم لي أنا المعلّم، فلم تكن هناك ساعات عمل محدّدة.وجدنا تعاونًا كبيرًا من طلّاب غزّة أنفسهم؛ فكثير منهم ممّن كانوا يمتلكون إنترنت قويًّا في منازلهم كانوا يسجّلون الحصص ويرفعونها على يوتيوب بجودة منخفضة، حتّى يتمكّن زملاؤهم من مشاهدتها في وقت لاحق.كما قام الطلّاب بإنشاء مجموعات متخصّصة على الواتس آب لكلّ معلّم لرفع ملخّصات كلّ مادّة، كما قاموا بإنشاء رابط لرفع جميع الملخّصات، وكلّ هذه أفكارهم وأعمالهم. كما ساعدوني في المشاكل التقنيّة عبر تصنيفها، فبدل أن أتعامل مع كلّ مشكلة، كانوا يجمعون المشاكل المتشابهة لأحلّها مرّة واحدة.كما قاموا بإنشاء بوت تليغرام، وهو نظام يدخل إليه الطالب يحدّد فيه مشكلته، ثمّ يقوده البوت بخطوات متسلسلة حتّى يصل إلى الحلّ، فتُحلّ المشاكل من دون أن تصل إليّ مباشرة. كيف يسهم العمل التعاونيّ بين المعلّمين في تحسين رحلة تعلّم الطالب بشكل مباشر وغير مباشر، داخل الصفوف اليوميّة؟رأت أ. نجود الخوالدة أنّ أهمّيّة هذا السؤال تكمن في أنّه لا يحصر قيمة التعاون قيمةً تنظيميّة في المدارس، وإنّما يقدّمه بوصفه قيمة مؤثّرة في جودة التعلّم وجودة تجربة الطالب اليوميّة. ومن الممارسات التي تظهر في هذا السياق:• توحيد معايير التعلّم: لا يُترك الطالب بين توقّعات مختلفة واجتهادات فرديّة، بل لا بدّ أن يلتزم مع فريقه بمعايير مشتركة، تلتقي مع رؤى الجميع بالمستوى والكفاءة التي نريد تحقيقها. مثلًا، نعمل الآن على تدريب طلبة الصفّ العاشر على كتابة استجابة أدبيّة للنصّ الشعريّ، ولم نترك المجال لتوقّعات واجتهادات فرديّة، وإنّما خُطِّط للعمليّة للتقدّم بطريقة موحّدة للطلبة في جميع الصفوف. هذه الممارسات تحسّن من جودة كتابات الطلبة، ويظهر تعاون المعلّمين بشكل مباشر في الحصّة الصفّيّة.• الاستفادة من خبرات الفريق في توظيف أفضل استراتيجيّات التعلّم: لا يبني المعلّم الدرس بمفرده، بل لا بدّ من أن يستفيد من خبرات الفريق. وأعطي هنا مثالًا: دروس النحو والصرف والإملاء وهي دروس جامدة، إذا لم يستمع المعلّم لخبرات زملائه في كسر جمود هذه الدروس، مثل توظيف الألعاب الإلكترونيّة والأداء التمثيليّ وتقديم الدروس في قالب قصصيّ، فإنّ هذه الممارسات لا يمكن أن تُقدَّم إلا بتبادل الخبرات وتكاملها، وقد انعكس أثرها في تعلّم الطلبة.• الاستجابة لصعوبات الطلّاب بوعي مشترك: لا نترك المجال لمعلّم واحد ليفسّر ضعف اكتساب الطلبة لمهارة ما، بل يجب أن يعود إلى الفريق ويتعاون معه في مواجهة هذه الصعوبات والتحدّيات، لأنّ المعلّم من منظور واحد قد يقدّم أسبابًا غير شموليّة. في هذه الدائرة، لا بدّ أن نؤسّس لعمليّة تكامليّة في قراءة النتائج، بحيث تتمّ بنظرة جماعيّة من الفريق، وتُترجم إلى معالجة لنقاط الضعف، مع تأسيس نظام لقراءة البيانات ومعالجتها، وأيضًا الاستثمار في نقاط القوّة.أمّا الأثر غير المباشر داخل الصفوف، فهو بناء تسلسل معرفيّ؛ فما أدرسه هو حلقة في مسار أكاديميّ واضح على مستوى المدرسة، فأنا على اطّلاع على رحلة الطالب في هذه المادّة من الصفّ الأوّل إلى الصفّ الثاني عشر، وبالتالي ما أقدّمه له هو حلقة في مساره الأكاديميّ. فمثلًا عندما أعلّم الطالب في الصفّ السادس مهارة توسيع الفقرة، فإنّ هذه المهارة تؤهّله لكتابة مقالة كاملة في الصفّ السابع. وإذا لم يعِ المعلّم ذلك، فلن يهيّئ الطالب للمرحلة القادمة بالجودة المطلوبة.هذه الممارسات تصبّ في سياسات التجسير التي يجب أن تتنبّأ بها الدوائر الأكاديميّة في جميع الأقسام.وفي سياق الأثر غير المباشر أيضًا، يمكننا الحديث عن تحقيق العدالة في جودة التعلّم. فأنا أضمن أن تُقدَّم الجودة ذاتها لجميع الطلبة في المستوى نفسه، باستخدام أدوات تقييم مشتركة ومقارنة عيّنات الطلبة. ولكن، من دون أن يتمّ ذلك في سياق المقارنة، لأنّ المقارنة آفة تنهش أجواء التعاون.ومن خلال تعاون المعلّمين، أكون نموذجًا للتعاون الطلّابي. فمثلًا، إذا انخرط الطلبة في موقف تعليميّ أثار اهتمامهمّ، وكانت هذه الخبرة نتيجة تكاثف جهود الفريق، عليّ أن أُظهر لهم القيمة المضافة للتعاون مع زملائي، ويمكن أن أعرّفهم إلى الزملاء الذين تعاونوا في إنجاح هذه المهمّة، أو أن أدعو فريق العمل ليشارك الطلبة رحلة هذا العمل الذي أثرى تعلّمهم.ولا أتردّد أيضًا في مشاركة الزملاء في نتائج عمل الفريق، كما أعكس قيمة تعاون الفريق في لقاءاتي مع مجتمع المدرسة مثل أولياء الأمور.وقد يُفهم التعاون بالدرجة الأولى على أنّه يخفّف العبء عن المعلّم، ويضيف إليه خبرات كثيرة وغنيّة، ولكن، في عمق هذه الثقافة نجد أنّ المستفيد الأوّل هو الطالب وما يُقدَّم إليه من خبرات تعليميّة. كيف يمكن إشراك الأسرة جزءًا من هذه الثقافة التعاونيّة لدعم الطالب بشكل متكامل؟ترى أ. ندى الأشقر أنّ الأسرة كان لها، ولا يزال، دور مهمّ في العمليّة التعلّميّة. وداخل الأزمات يصبح هذا الدور أكثر أهمّيّة، إذ إنّ من كانوا يتواصلون معها من غزّة وبشكل لحوح هم الأهل، رغبةً منهم في الحفاظ على استمراريّة تعليم أبنائهم. فكانت الأسرة في غزّة تريد أن:• تحمي ابنها من الإبادة.• تؤمّن له الغذاء.• تحافظ على التعليم الإلكترونيّ.ومن بين 100 مكالمة من غزّة، كانت 3 فقط تطلب مساعدات مادّيّة، بينما 97 مكالمة كانت تطلب أن ينضمّ ابنها إلى صفوف التعلّم الإلكترونيّ، ومن هنا يظهر دور الأسرة المهمّ جدًا.وعطفًا على الدور الذي ذُكر في تعاون طلّاب غزّة، فإنّ هذا الدور كان يضيف إلى الطالب عبئًا مادّيًّا أو عبئًا على حساب وقته، لكنّ الأهل لم يكن لديهم أيّ مشكلة في ذلك. من هنا، فإنّ دور الأسرة في غزّة كان ولا يزال دورًا أساسيًّا ومتوازيًا مع دور المؤسّسة التعليميّة.ومن ناحية أخرى، فإنّ المعلّم في الضفّة يعاني ظروفًا صعبة، وكذلك الأسرة هناك تعاني الظروف نفسها. وقد يداوم المعلّم ثلاثة أيّام بسبب الظروف الأمنيّة أو الماليّة، ومع ذلك لا نجد الأسرة الفلسطينيّة تنتقد ذلك، لأنّها تدرك الظروف التي يمرّ فيها المعلّم للوصول إلى صفّه أو مدرسته.ولا تقتصر الأسرة هنا على أسرة الطالب فقط، بل تشمل أسرة المعلّم أيضًا؛ فكثير من المعلّمات والمعلّمين ينهون دوامهم الساعة 2:00، ثمّ يعودون إلى المنزل لبدء دوام آخر مع طلّاب غزّة حتّى تغيب الشمس، إذ يعتمد أهل غزّة على الطاقة الشمسيّة في الكهرباء، وبالتالي قد تتغيّر مواعيد العمل معهم.فالأمّ المعلّمة يستمرّ عملها حتّى بعد عودتها إلى المنزل، وقد تقبّلت الأسرة الفلسطينيّة ذلك. وأذكر أنّه في مرحلة من المراحل كان اللابتوب يرافقني في زياراتي العائليّة.هذه الندوة هي توضيح لقيمة التعاون في البيت والمدرسة، وكم أنّ المعلّم والبيئة المتعاونة مفيدان للمعلّم والطالب، وبالتالي للمجتمع في قضايا أكبر. هذه الجلسة مفتاح لمفهوم تربويّ نتمنّى أن نعيشه برفاهية، لكنّنا حاليًا مضطرّون لعيشه خلال الأزمات التي نمرّ فيها في عالمنا العربيّ. ودعت د. لينا القوزي في ختام الندوة إلى أن يكون التعاون أوسع وأشمل، وعلى نطاق المعلّمين في العالم العربيّ. وشكرت المشاركات والمشاركين على مداخلاتهم المهمّة، والجمهور على تفاعله واستفساراته.

مساحة تعبيريّة مفتوحة للمعلّمين والمختصّين، تتمحور حول عرض أفكار ووجهات نظر نقديّة وأحلام شخصيّة انطلاقًا من تجربة تعليميّة، ولا تتوقّف عند ذلك.

المعلّم والتكنولوجيا: من لا يتطوّر يُستبدل
لم يعد النقاش حول العلاقة بين المعلّم والتكنولوجيا ترفًا فكريًّا أو موضوعًا مستقبليًّا، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على التعليم في مختلف الس... تابع القراءة
حين تصبح الرياضيّات جزءًا من الحياة: الوظيفة البيتيّة مساحةً للفضول والتفكير
لطالما ارتبط تعلّم الرياضيّات في أذهان التلاميذ بالصفّ والكتاب والدفتر، وكأنّها معرفة تنتهي بانتهاء الحصّة. غير أنّ تجربتي في التعليم دفع... تابع القراءة

حوار مباشر مع معلّمات ومعلّمين، يتمّ بالإجابة عن مجموعة أسئلة عن الحياة في المدارس، وتجارب مختلفة وتحدّيات يوميّة. كلّ المعلّمين مدعوّون إلى المشاركة في الدردشة لنقل آرائهم ومقارباتهم الخاصّة.

منال تميم - معلّمة - قطر/ لبنان

ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتك إلى التعليم؟ غيّرت الحروب والأزمات المختلفة في العالم العربيّ نظرتي إلى التعليم من جذورها. ولم يكن هذا التحوّل نظريًّا فقط، بل نابعًا من تجربة شخصيّة عشتها منذ صغري؛ إذ عرفتُ الحرب عن قرب، وأعرف تمامًا ماذا يعني الخوف والفقد، وعدم اليقين في سنوات الطفولة الأولى. لذلك لم يعد التعليم بالنسبة إليّ مجرّد مهنة أمارسها كلّ صباح، ولا مسارًا أكاديميًّا نقيسه بالدرجات والنتائج، بل صار فعلًا إنسانيًّا أعيشه يوميًّا مع الأطفال، وأشعر بثقله ومسؤوليّته في كلّ لحظة.في الصفّ، أرى في عيون المتعلّمين أسئلة لا تُطرح دائمًا بالكلمات: عن الخوف والفقد واللا يقين، وعن معنى أن يكبر الإنسان في عالمٍ مضطرب. هنا أدركت أنّ دوري لا يقتصر على شرح الدروس، بل أن أكون مساحة أمان، وصوت طمأنينة، وشريكة في الفهم والبحث عن المعنى. تعلّمتُ من الأزمات أنّ المعرفة وحدها لا تحمي الأطفال، وأنّ القيم هي ما يحفظ إنسانيّتهم: أن يتعلّموا كيف يُصغون، وكيف يختلفون من دون عنف، وكيف يرون الآخر بوصفه إنسانًا لا تهديدًا. صرتُ أكثر حرصًا على تعليمهم التفكير النقديّ والحوار والتعاطف، لأنّي أؤمن أنّ هذه المهارات هي ما يمنع إعادة إنتاج الأزمات نفسها في المستقبل.لم يعد هدفي الأوّل أن أُنجز المنهج في موعده، بل أن أُنجز الإنسان في داخله. أن أساعد المتعلّم على أن يفهم نفسه قبل أن يحفظ الدرس، وأن يثق بقدرته على التغيير مهما كان الواقع قاسيًا. هكذا أصبحت التربية بالنسبة إليّ رسالة حياة، وبناءً يوميًّا للأمل، في وجه عالمٍ يختبر إنسانيّتنا كلّ يوم. ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ لماذا؟ أتمنّى لو يعرف صنّاع القرار أنّ المعلّم اليوم لا يحمل المنهج فقط، بل يحمل معه أعباءً نفسيّة وإنسانيّة وتربويّة، تفوق ما يظهر في الخطط والوثائق الرسميّة.أتمنّى لو يرون المعلّم لا بوصفه منفّذًا للسياسات، بل شريكًا حقيقيًّا في صناعة المستقبل، يعيش يوميًّا تفاصيل الصفّ، ويختبر أثر كلّ قرار في وجوه الأطفال قبل أن يظهر في التقارير. أتمنّى لو يعرفون أنّ المعلّم يعمل في مساحة مليئة بالتناقضات: بين متطلّبات المناهج، وضغوط التقييم، واحتياجات الطلبة المتنوّعة، وتوقّعات الأهالي، وفي كثير من الأحيان من دون دعمٍ كافٍ أو صوتٍ مسموع في دوائر القرار.نحن لا نطلب امتيازات، بقدر ما نطلب ثقة، ومساحة للحوار، واعترافًا بأنّ جودة التعليم تبدأ من كرامة المعلّم واستقراره المهنيّ والنفسيّ. وأتمنّى، قبل كلّ شيء، أن يدرك صنّاع القرار أنّ أيّ إصلاح تعليميّ لا يُبنى مع المعلّمين محكوم عليه بالفشل. فالمعلّم هو من يترجم الرؤى إلى واقع، وهو من يرى أثر السياسات في الطفل الحقيقيّ، لا في النموذج النظريّ. لذلك، حين يُنصَت إلى صوت المعلّم، يصبح الإصلاح ممكنًا، ويغدو التعليم فعلًا جماعيًّا لا قرارًا أحاديًّا. هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟ لا، لم يعد الكتاب المدرسيّ في صفّي المصدر الأساسيّ للتعليم، وإن كان ما زال موردًا من موارد كثيرة أستعين بها في تخطيط التعلّم. في فلسفة البكالوريا الدوليّة، ينطلق التعلّم من الفكرة المركزيّة، والمفاهيم الكبرى، وأسئلة الاستقصاء، لا من تسلسل صفحات الكتاب. لذلك أتعامل مع الكتاب بوصفه أداة داعمة، لا إطارًا مُلزِمًا يحدّ تفكيري أو يقيّد مسار التعلّم.في برنامج السنوات الابتدائيّة PYP نُصمّم التعلّم حول الاستقصاء القائم على المفاهيم، حيث يقود المتعلّم أسئلته، ونبني الفهم عبر التفاعل، والبحث، وربط التخصّصات، لا عبر تلقّي محتوى جاهز. هذا يعني أنّ مصادر التعلّم في صفّي متنوّعة: نصوص أصيلة، مصادر رقميّة، تجارب عمليّة، زيارات ميدانيّة، ومشاريع أدائيّة تُترجم الفهم إلى فعل.دور المعلّم هنا ليس نقل المعرفة من الكتاب إلى الدفتر، بل تسهيل التعلّم، وبناء بيئة تسمح بالتساؤل، والتجريب، والتأمّل، وفق مبادئ التعلّم البنائيّ، وملامح المتعلّم في IB مثل التفكير، والانفتاح الذهنيّ، وتحمل المسؤوليّة. في هذا الفضاء، لا شيء يحدّ المعلّم: لا الكتاب، ولا الخطّة الجامدة، بل تحكمنا فقط نيّة التعلّم، وعمق الفكرة، وحاجات المتعلّمين. هل سبق وفكّرتِ بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلك تبقى؟ لا، لم أفكّر يومًا بالاستقالة من المهنة، ليس لأنّ الطريق سهل، بل لأنّني ببساطة لا أرى نفسي خارج التعليم. أنا متيّمة بهذا العمل، وأشعر أنّه جزء من هويّتي قبل أن يكون وظيفة. ولو عاد الزمن إلى الوراء، لاخترت أن أكون مُعلّمة من جديد، وبالذات في قسم اللغة العربيّة، لأنّ علاقتي باللغة ليست علاقة مادّة تُدرَّس، بل علاقة روح ومعنى وانتماء. ما يجعلني أبقى هو إيماني العميق بأنّ مهنة التعليم موهبة قبل أن تكون مهارة؛ موهبة نولد ببذرتها، ثم نطوّرها ونُمكّنها بالتعلّم والتجربة والتأمّل.في الصفّ أشعر أنّني أضع هذه الموهبة في مكانها الصحيح: أفتح للمتعلّمين بابًا ليحبّوا اللغة، ويثقوا بها، ويشعروا أنّها جزء من قوّتهم وهويّتهم، لا عبء عليهم. أكثر ما يلامسني لحظة يكتشف فيها طفل قدرته على التعبير: عندما يكتب جملة أجمل ممّا كان يتوقّع، أو يقرأ بثقة بعد تردّد، أو يجد كلمة تصف شعوره بدقّة. هذه اللحظات الصغيرة هي التي تجعلني أعود كلّ يوم وأنا مقتنعة أنّ هذا العمل يستحقّ.والسبب الأعمق أنّ التعليم يجعلني "متعلّمة مدى الحياة". أنا لا أعلّم فقط، أنا أتعلّم باستمرار: من أسئلة الأطفال، ومن اختلافاتهم، ومن حاجتهم إلى من يراهم ويؤمن بهم. كلّ عام دراسيّ يضيف إليّ طبقة جديدة من الفهم، ويجعلني أراجع طرقي، وأطوّر أدواتي، وأبحث عن معنى أعمق للتعلّم. لذلك أبقى، لأنّ التعليم بالنسبة إليّ ليس مهنة أؤدّيها، بل رسالة أعيشها، ومسار نموّ لا يتوقّف، وفرصة يوميّة لصناعة أثرٍ جميل في حياة إنسان صغير قد يغيّر العالم بطريقته. ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعي؟في عصر الذكاء الاصطناعيّ، لم يعد حفظ المعلومات أهمّ مهارة ندرّب المتعلّم عليها، لأنّ الوصول إلى المعرفة بات متاحًا بضغطة زرّ، بل أصبحت الأولويّة هي لبناء إنسان قادر على التفكير والاختيار، والحكم الأخلاقيّ، والتعلّم المستمرّ.في مقدّمة هذه المهارات يأتي التفكير النقديّ: أن يتعلّم المتعلّم كيف يميّز بين المعلومة الصحيحة والمضلّلة، وكيف يسأل عن المصدر والغاية والتحيّز، لا أن يكتفي باستقبال الإجابات الجاهزة. تلي ذلك مهارة طرح الأسئلة العميقة، لأنّ جودة الأسئلة هي ما يوجّه استخدام الذكاء الاصطناعيّ، ويمنح المتعلّم القدرة على قيادة التعلّم بدل أن يُقاد به. كما تصبح مهارات ما وراء المعرفة أساسيّة: أن يعرف المتعلّم كيف يتعلّم، وكيف يراقب تفكيره، ويقيّم استراتيجيّاته، ويطوّرها. في فلسفة البكالوريا الدوليّة، ندرّب المتعلّم على الاستقلاليّة، والتنظيم الذاتيّ، وتحمل المسؤوليّة عن تعلّمه، وهي مهارات تحميه من التبعيّة العمياء للتكنولوجيا، إلى جانب ذلك، تبرز القيم الإنسانيّة بوصفها مهارات لا تقلّ أهمّيّة عن المهارات المعرفيّة: التعاطف والتعاون، والقدرة على الحوار، واحترام التنوّع؛ لأنّ الذكاء الاصطناعيّ مهما بلغ تطوّره لا يمتلك ضميرًا أخلاقيًّا، ولا حسًّا إنسانيًّا. هنا يصبح دور المدرسة أن تُنمّي الحكم الأخلاقيّ، واتّخاذ القرار المسؤول، وفهم أثر أفعالنا في الآخرين وفي العالم.وأخيرًا، تبقّى مهارة التعلّم مدى الحياة هي الإطار الجامع لكلّ ما سبق: أن نُخرّج متعلّمًا مرنًا وفضوليًّا، قادرًا على التكيّف مع عالم يتغيّر أسرع من أيّ منهج. في هذا العصر، لا نُعدّ المتعلّم لوظيفة محدّدة، بل نُعدّه ليكون إنسانًا قادرًا على التعلّم المستمرّ، والتفكير الواعي، والعمل المسؤول في عالم تقوده التكنولوجيا ويحتاج فيه الإنسان إلى إنسانيّته أكثر من أيّ وقت مضى. ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟ شدّ انتباه المتعلّمين بالنسبة إليّ لا يبدأ بالصوت المرتفع ولا بالأنشطة السريعة، بل يبدأ بالمعنى. أهمّ استراتيجيّة أعتمدها هي أن أجعل المتعلّم يشعر أنّ ما نتعلّمه يخصّه ويهمّه، وله علاقة بحياته وأسئلته وتجربتها. أبدأ غالبًا بسؤال محفّز أو موقف إشكاليّ يوقظ الفضول: صورة، جملة ناقصة، موقف من الواقع، أو تحدٍّ بسيط يدفعهم إلى التفكير قبل أن أقدّم أيّ شرح.في الاستقصاء القائم على المفاهيم، الفضول \بوابة الانتباه الأولى، لذلك أحرص على أن يكون مدخل التعلّم سؤالًا لا إجابة، أعتمد كثيرًا على استراتيجيّات التفكير المرئيّ مثل See–Think–Wonder، وI Used to Think… Now I Think، وChalk Ta لأنها تنقل المتعلّم من التلقّي إلى المشاركة، وتجعل التفكير نفسه حدثًا مرئيًّا داخل الصفّ. حين يرى الطفل فكرته مكتوبة أو مرسومة أمامه، يشعر أنّه جزء من الدرس لا مجرّد متلقٍّ له. كما أحرص على تنويع أنماط التعلّم: عمل فرديّ، نقاش ثنائيّ، مجموعات صغيرة، حركة ولعب أدوار، لأنّ الانتباه لا يُحافَظ عليه بالطريقة نفسها طوال الوقت. في PYP، نؤمن بأنّ التعلّم النشط مفتاح التركيز الحقيقيّ. ولا أستطيع أن أفصل شدّ الانتباه عن العلاقة الإنسانيّة. المتعلّم ينتبه حين يشعر أنّ المعلّم يراه ويسمعه، ويقدّر صوته. لذلك أبني انتباهي على الثقة والاحترام، وروح الأمان في الصفّ، لأنّ الطفل الذي يشعر بالأمان هو طفل مستعدّ للانتباه والتعلّم.باختصار، استراتيجيّتي الأساسيّة هي أن أحوّل الدرس من حدث أقدّمه إلى تجربة نعيشها معًا، حيث يصبح الفضول محرّك الانتباه، ويصبح المتعلّم شريكًا حقيقيًّا في بناء التعلّم. هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟ أتمنّى لو لم نعد نستخدم تعبير "ضبط الصفّ"، بل لو استبدلناه بتعبير "إدارة الصفّ". فالفارق بين الكلمتين ليس لغويًّا فقط، بل فلسفيّ وتربويّ عميق. أنا لا أرى مهمّتي أن أضبط الصفّ بمعنى أن أقمع الأصوات، أو أفرض الصمت، أو أُخضع المتعلّمين للنظام بالقوّة، بل أن أُدير فضاءً حيًّا للتعلّم، يتيح التفكير والحوار والاختلاف، والنموّ في تجربتي، الصفّ الهادئ ليس بالضرورة صفّا ناجحًا. أحيانًا يكون الهدوء علامة خوف أو انسحاب أو تعلّم سطحيّ. أمّا الصفّ الناجح فهو صفّ مليء بالحياة: فيه همس المجموعات، ونقاش وتجريب، وحركة منظّمة، وأسئلة تُطرَح من دون تردّد. الضجيج هنا ليس فوضى، بل دليل انخراط، ودليل تعلّم. أركّز كثيرًا على عوالم المجموعات، لأنّ العمل التعاونيّ يعلّم الأطفال كيف يصغون، وكيف يختلفون باحترام، وكيف يبنون الفكرة معًا. في هذا السياق، تصبح إدارة الصفّ قائمة على بناء ثقافة، لا فرض قوانين: ثقافة الحوار والمسؤوليّة، والاحترام المتبادل. الأساس في ذلك هو الاتّفاقات الصفّيّة التي نبنيها معًا في بداية العام: لا أفرضها جاهزة، بل نناقشها، نصوغها، ونتّفق عليها عقدًا أخلاقيًّا بيني وبين المتعلّمين. هذه الاتّفاقات لا تنظّم السلوك فقط، بل تحمي حرّيّة التعبير، وتضمن أن يكون لكلّ صوت مكان، ضمن إطار من الاحترام والمسؤوليّة. لذلك، حين أفكّر في إدارة الصفّ، أفكّر في كيف أفتح الآفاق لا كيف أُغلقها؟ كيف أُنظّم الحرّيّة لا كيف أُلغِيها؟ وكيف أبني بيئة يتعلّم فيها الطفل أن يضبط نفسه بنفسه، لا أن يُضبَط من الخارج؟ هنا، تصبح إدارة الصفّ أحد أسس نجاح التعلّم الحقيقيّ، لا مجرّد وسيلة للسيطرة على السلوك. ما الذي يجعلك تضحكين في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ لماذا؟ ما يجعلني أضحك في المدرسة على الرغم من الضغوط هو علاقتي اليوميّة مع الطلّاب. في زحمة المهام والتخطيط والتقييم، تبقى وجوههم وأصواتهم هي المساحة التي أستعيد فيها نفسي. أفرح حين يأتون ليخبروني عن تفصيل صغير في حياتهم، عن نجاح حقّقوه، أو خوف تجاوزوه، أو فكرة اكتشفوها فجأة. هذه الأخبار البسيطة هي ما يخفّف ثقل اليوم، ويعيد إلى عملي معناه الأوّل، أضحك حين أراهم يفرحون بإنجازاتهم، مهما كانت صغيرة، لأنّي أعيش هذا الفرح وكأنّه فرحي الشخصيّ.أشعر أحيانًا أنّ علاقتي بهم تشبه علاقة الأمّ بأطفالها: أراقب خطواتهم الأولى في القراءة، ثمّ ثقتهم وهم يكتبون، ثمّ قدرتهم على التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم. أراهم يكبرون أمام عيني، لا في العمر فقط، بل في النضج والشجاعة والاستقلاليّة. وبما أنّني معهم في تفاصيل حياتهم اليوميّة، فأنا أتابع تغيّرهم، وألاحظ تطوّرهم، وأدرك أنّ هذا النموّ لا يُقاس بالعلامات فقط، بل بالثقة التي يكتسبونها، وباللغة التي يجدونها لأنفسهم، وبالقدرة على أن يكونوا أنفسهم داخل الصفّ؛ لهذا أضحك، لأنّني في كلّ يوم أرى أثر عملي حيًّا في إنسان صغير ينمو. هذا الإحساس هو ما يجعلني أتحمّل الضغوط، ويمنحني طاقة الاستمرار، ويذكّرني أنّ التعليم، في جوهره، علاقة حياة قبل أن يكون مهنة. أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأتهِ في صفحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟ من أكثر المقالات التربويّة التي أثّرت بي تلك التي تتناول فكرة أنّ جوهر التعليم ليس في ما نُدرِّسه، بل في من نصنع. المقالات التي تربط بين الممارسة الصفّيّة وبناء الإنسان، لا بين الممارسة الصفّيّة ونتائج الامتحانات فقط، هي التي تترك في داخلي أثرًا طويل المدى.أعجبني خصوصًا كلّ مقال يطرح سؤالًا صادقًا عن دور المعلّم: هل نحن ناقلو معرفة أم بُنَاة إنسان؟ هذه الكتابات جعلتني أراجع نفسي مرارًا، وأتأمّل في تفاصيل عملي اليوميّ: في الطريقة التي أطرح بها السؤال، وفي المساحة التي أتركها لصوت المتعلّم، وفي نوع القيم التي أبنيها من دون أن أصرّح بها، ما يجذبني في هذه المقالات أنّها لا تقدّم وصفّات جاهزة، بل تفتح مساحات تفكير. مقالات تتحدّث عن التعلّم العميق، وعن الاستقصاء القائم على المفاهيم، وعن دور العلاقة الإنسانيّة في التعلّم، وعن أنّ الصفّ ليس مكانًا لنقل المحتوى، بل فضاء لبناء الهويّة والمسؤوليّة، والقدرة على الاختيار.أعجبني هذا النوع من الكتابة لأنّه يشبهني أنا المعلّمة: لا يبحث عن الحلّ السريع، بل عن المعنى العميق. ولأنّه يذكّرني دائمًا بأنّ أفضل مقال تربويّ هو ذاك الذي لا يجعلني أغيّر خطّة الدرس فقط، بل يجعلني أغيّر نظرتي إلى الطفل، وإلى نفسي، وإلى معنى أن أكون مربّية في زمن متغيّر. إذا كتبتِ يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ لماذا؟ لو كتبتُ يومًا كتابًا عن تجربتي في التعليم، لاخترت له عنوانًا:"حين يُصبح الصفّ بيتًا"أختار هذا العنوان لأنّ الصفّ بالنسبة إليّ لم يكن يومًا غرفة دراسيّة فقط، بل كان دائمًا مساحة حياة تشبه البيت: فيها الأمان، والدفء، والاختلاف، والفرح، والتعب، والنموّ البطيء الذي لا يُقاس بالأرقام بل بالعلاقات. في هذا الصفّ، لا أستقبل متعلّمين فقط، بل أستقبل أطفالًا يحمل كلّ واحد منهم عالمه الخاص: مخاوفه، أحلامه، أسئلته، وقصّته الصغيرة التي تتشكّل كلّ يوم.مع الوقت، يتحوّل الصفّ إلى بيتٍ ثانٍ، أرافق فيه هؤلاء الأطفال في تعلّمهم، وفي تعثّرهم، وفي لحظات اكتشافهم الأولى لأنفسهم وللعالم. أرى في عيونهم بداية اللغة، وبدايات الثقة، وبدايات القدرة على أن يقول الإنسان: “أنا أستطيع”. هنا أفهم أنّ دوري لا يقتصر على تقديم الدرس، بل على مرافقة النموّ الإنسانيّ بكلّ هشاشته وقوّته في آنٍ واحد.هذا العنوان يعبّر عن قناعتي بأنّ التعلّم الحقيقيّ لا يحدث في بيئة باردة أو قائمة على الخوف، بل في فضاء يشعر فيه الطفل أنّه مرئيّ، ومسموع، ومقبول كما هو. حين يصبح الصفّ بيتًا، يجرؤ الطفل على السؤال، وعلى الخطأ، وعلى المحاولة من جديد. وحين يشعر بالأمان، يبدأ التعلّم العميق، وتبدأ الشخصيّة في التشكّل ببطء وثبات.وأختاره لأنّه يلخّص علاقتي بالمهنة. أنا لا أدخل الصفّ لأقدّم محتوى فقط، بل لأبني علاقة، ولأخلق بيئة تشبه العائلة التربويّة الصغيرة، حيث نتعلّم كيف نعيش معًا قبل أن نتعلّم كيف ننجح، وكيف نحترم اختلافنا قبل أن ننافس على الدرجات، وكيف نكبر من دون أن نفقد إنسانيّتنا في الطريق.لهذا، لو كتبتُ كتابًا يومًا، فسيكون عن الصفّ الذي يصير بيتًا حين نمنحه قلوبنا قبل عقولنا. عن المكان الذي نتعلّم فيه كيف نطمئنّ، وكيف نجرؤ على الحلم، وكيف نكبر ونحن نشعر أنّ لنا زاوية آمنة في هذا العالم المضطرب. سيكون عن تربية تُزرَع في الصمت، وعن تعليم يظلّ حيًّا في الأرواح طويلًا بعد أن تُغلَق الدفاتر، وعن أطفال يمضون في الحياة، وهم يحملون شيئًا من هذا الصفّ في داخلهم… كأنّه بيت أوّل علّمهم كيف يحبّون الحياة.

سامي موسى الخليفات- اختصاصيّ مبحث اللغة العربيّة- الأردن

ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتك إلى التعليم؟ أؤمن أنّ الحروب والأزمات تصنع جيلًا مختلفًا عمّا سبقه، والسبب أنّ الحرب تخلق تحدّيًا سافرًا للإنسان، وتدفعه إلى البحث عن نجاة ليظلّ على قيد الحياة. فقد وجّهت التعليم نحو الوعي بالتحدّي الخطير أمام هذه الأمّة الذي يهدّد استمرارها في الوجود الإنسانيّ. ووجدت أنّ التعليم يمكنه توجيه هذا الوعي إلى مصادر الخطر والتحدّي، والتخطيط لتجاوزها. ما الذي تتمنّى لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ لماذا؟ لو أنّ صنّاع القرار على مقربة حقيقيّة من المعلّم، في المدرسة، وفي البيت، والحياة العامّة. إذ يستحق المعلّم كثيرًا من الرفاه والاهتمام باعتباره صانعًا حاذقًا للحياة. المعلّم يعاني فقرًا عاطفيًّا، وهو بحاجة إلى التعزيز والدعم النفسيّ والعاطفيّ؛ لأنّه يقود إلى الإبداع والابتكار. هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟ إلى حدّ ما، يظلّ الكتاب المدرسيّ المفتاح الكبير الذي يمهّد الطريق لتعلّم أوسع، وأعتقد أنّه المدخل الرئيس الذي يمكنه توجيه المتعلّم إلى التعلّم الذاتيّ، وقيادته إلى أوعية معرفيّة مرموقة. لا أنكر أنّ الكتاب بدأ يخسر من مكانته الاعتباريّة في ظلّ التخمة الإلكترونيّة نحو مصادر تعلّم أخرى. هل سبق وفكّرت بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلك تبقى؟ بصراحة: نعم، مرّتين أو ربّما أكثر. كان حجم الضغوط كبيرًا، وكان الحقل التعليميّ بحاجة ماسّة إلى قوانين تنظيميّة، تنظّم سلوك المتعلّمين في إطار واضح يخدم العمليّة التعليميّة. أمّا ما جعلني أبقى فأمران: الحاجة إلى العمل من أجل الحياة، والثاني من الصعب أن أتخلّى عن هدف رسمته سابقًا، وكان تقديم رسالة عنوانها الوعي. ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟ أعتقد أنّه علينا أن ندرّبه على الاستعمال الأمثل للتكنولوجيا، ونسعى لدمجها في التعلّم بشكل إيجابيّ. ما أهمّ استراتيجيّاتك في شدّ انتباه المتعلّمين؟ التنوّع في الاستراتيجيّات التعليميّة والتقويميّة، الدعم النفس - اجتماعيّ، مراعاة أنماط المتعلّمين ودمجهم في بيئة تعليميّة متساويّة الفرص التعليميّة. هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟ لا بدّ من إدارة الصفّ الدراسيّ بفاعليّة ليتحقّق التعلّم، والاعتماد على مدوّنة السلوك الصفّيّ، وهي وثيقة شرفيّة تنظّم العلاقة بين المعلّم والمتعلّم والبيئة المدرسيّة، ويجب الاعتناء بها كثيرًا. أعني بالضبط الصفّيّ: الانسجام الفعليّ داخل الغرفة الصفّيّة وليس الضبط العنيف، بالتهديد والعقاب والتعنيف اللفظيّ. ما الذي يجعلك تضحك في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ لماذا؟ أضحك كثيرًا مع طلّابي، حول حواراتهم اليوميّة، أو سلوكيّاتهم العفويّة، وأضحك مع زملائي المعلّمين في مواقف طريفة، وأبتسم لنجاحات طلّابي أيًّا كانت. أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأته في صفحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟ ليس لي مكث طويل مع منهجيّات، أحسب نفسي جديدًا فيها. ولكنّي قرأت بعض مقالات الاستراتيجيّات التدريسيّة الحديثة في تدريس اللغة العربيّة وتقويم أداء الطلبة، في مواطن متنوّعة في الشبكة. إذا كتبت يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ لماذا؟ ربّما: يوميّات معلّم، أو مذكّرات تربويّة. يهدف إلى نقل التجربة الشخصيّة، والسبب هو إيماني العميق بأهمّيّة التعليم في صناعة الحياة.

صادق حسن الحسني- معلّم لغة عربيّة- اليمن

ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتك إلى التعليم؟ التعليم لا يقتصر على الفصول الدراسيّة، بل يشمل الفصول الافتراضيّة، واستخدام التكنولوجيا الحديثة في التعليم، وإلّا سيُحرم الجيل الحالي والأجيال القادمة من حقّها في التعليم، ولن تحصل على تعليم جيّد وشامل وعادل ومستدام. ما الذي تتمنّى لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ لماذا؟ يتمنّى المعلّمون أن يعرف صنّاع القرار حجم معاناتهم ومعاناة أُسرهم الناتجة عن انقطاع الرواتب لأكثر من تسع سنوات، وما سبّبه ذلك من عجز عن توفير متطلّبات التدريس الأساسيّة، بما في ذلك الحفاظ على مظهر لائق وتوفير احتياجات العمل اليوميّة، إلى جانب ما رافق هذه الظروف من اضطرابات نفسيّة وضغوط مستمرّة أثّرت في حياتهم الشخصيّة والمهنيّة. هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟ نعم، يعتبر المنهج المكتوب الأساس الذي يحتوي على المادّة العلميّة التي أعدّتها لجان التأليف أو التطوير وفق رؤى ومنهجيّات علميّة حديثة، ونتاجًا لدراسات وبحوث علميّة. وعدم توفّر الكتاب المدرسيّ يجعل الطالب مشتّتًا ذهنيًّا وفاقدًا للتوجيه والطريق الواضح الذي يسير عليه في تعلّمه. هل سبق وفكّرت بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلك تبقى؟ نعم، بسبب انقطاع المرتّبات وقسوة الظروف المعيشيّة، إذ لم أعد قادرًا على تلبية الحاجات الأساسيّة لي ولأسرتي. وما جعلني أستمرّ معلّمًا هو عدم توفّر فرص عمل أخرى بصورة مستمرّة. ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟ أهمّ ما يجب أن ندرّب عليه المتعلّم هو البحث عن المعلومة، وهندسة الأوامر، واختيار أدوات الذكاء الاصطناعيّ المناسبة لكلّ مهمّة. ما أهمّ استراتيجيّاتك في شدّ انتباه المتعلّمين؟ أهمّ استراتيجيّاتي استخدام القصص والأسئلة والفكاهة. أعتمد على القصص في توصيل الأفكار والقيم بطريقة قريبة من الطلبة، مثل قصّة جحا وولده والحمار التي توضّح أنّ "إرضاء الناس غاية لا تُدرك"، وقصّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم مع عمر بن الخطّاب أثناء أكل التمر، حين قال له: "عجبتُ لمن أكل التمر مع النواة"، إلى جانب قصص تحفيزيّة معاصرة، مثل قصّة الفتاة السعوديّة التي وضعت لنفسها هدفين في المرحلة الثانويّة: الحصول على المركز الأوّل على مستوى المملكة، وأن تصبح طبيبة أورام. كما أستخدم الأسئلة التي تفتح باب التفكير والتخيّل، مثل: "تخيّل"، و"تصوّر"، و"ماذا لو؟"، إلى جانب توظيف الفكاهة أثناء الشرح لجذب انتباه الطلبة وتخفيف التوتّر داخل الصفّ. هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟ لا، الأنسب هو إدارة الصفّ أو قيادة الصفّ، لأنّ مفهوم القيادة والإدارة أوسع من مجرّد الضبط. فالضبط يركّز غالبًا على إبقاء الصفّ هادئًا بفرض الالتزام والطاعة، بينما تقوم إدارة الصفّ على بناء علاقة تفاعل واحترام وتنظيم داخل البيئة التعليميّة، بما يساعد الطلبة في المشاركة والتعلّم من دون الاعتماد على أسلوب التسلّط أو الدكتاتوريّة. ما الذي يجعلك تضحك في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ لماذا؟ ما يجعلني أضحك في المدرسة، على الرغم من الضغوط، هو المواقف اليوميّة العفويّة بين المعلّمين والطلبة، خصوصًا تعاملات الزملاء المعلّمين مع بعض الطلبة المتنمّرين، وتصرفات الطلبة وتفاعلهم مع بعضهم بعضًا داخل الصفّ وخارجه. كما أنّ النكات والفكاهة تخلق أجواءً أخفّ داخل المدرسة، وتساعد في التخفيف من الضغوط والتوتّر اليوميّ. أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأته في صفحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟ أكثر مقال تربويّ أعجبني هو مقال "الكتاب المدرسيّ: من ركيزة بيداغوجيّة إلى أداة ثانويّة" للكاتب أنور الكوكي، وسبب إعجابي به أنّ الكاتب طرح فكرة مهمّة، مفادها أنّ النظام السياسيّ كلّما تغيّر يعمد إلى تغيير المنهج المدرسيّ والكتاب المدرسيّ، بما يتناسب مع توجّهاته وأفكاره. إذا كتبت يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ لماذا؟ إذا كتبت يومًا كتابًا عن تجربتي في التعليم، فسيكون عنوانه "التأليم في اليمن"، لما يضيفه التعليم من معاناة للمعلّمين والطلبة، وكذلك لأنّ أبناء تهامة والساحل الغربيّ ينطقون كلمة "التعليم" بإبدال العين همزة، فتأتي الكلمة قريبة من معنى الألم، وهو ما يعكس واقع التعليم والمعاناة المرتبطة به.

تتوجّه مقالات الوالديّة الى أهالي المتعلّمين المهتمّين بتعليم أبنائهم وتأمين نموّ سليم لهم على كلّ الصعد، حيث تتناول المقالات معظم القضايا المرتبطة بالتربيّة والسلوك والمواقف المختلفة.

مخاطر حسابات التواصل الاجتماعيّ للأطفال

في عصر التحوّل الرقميّ، لم تعد بداية حياة الطفل مرتبطة بلحظة ولادته فحسب، بل أصبحت ترتبط أيضًا بتشكّل بصمته الرقميّة التي قد ترافقه طوال حياته. فكثير من الآباء والأمّهات يبدؤون، منذ لحظة ولادة طفلهم، بتصويره ومشاركة صوره وفيديوهاته، في ما يُعرف بمصطلح Sharenting، وهو مزيج بين المشاركة Sharing والتربية Parenting. وقد يُنظر إلى هذه الممارسة على أنّها تعبير بريء عن الفرح بالمولود الجديد، إلّا أنّها تحوّلت مع الوقت إلى ظاهرة اجتماعيّة معقّدة، تطرح إشكاليّات حقيقيّة تتعلّق بحقوق الطفل، وحدود ممارسات الأبوّة والأمومة، وأخلاقيّات استخدام التكنولوجيا في العصر الرقميّ الشامل. ويؤكّد ذلك أنّ الأجيال الحاليّة باتت تكتسب هويّة رقميّة إلى جانب هويّتها الواقعيّة، الأمر الذي يضع كلّ أب وأمّ أمام تحدّيات غير مسبوقة. الولادة الرقميّة قد تبدأ الهويّة الرقميّة للطفل قبل ولادته الفعليّة، مع مشاركة صور الجنين بالموجات فوق الصوتيّة، أو حتّى إعلان الحمل على وسائل التواصل الاجتماعيّ، ما يعدّ مؤشّرًا على تحوّل جذريّ في مفهوم الطفولة. ومع رحلة الجنين وصولًا إلى الرضيع وإلى الطفل وإلى المراهق، تتزايد الصور التي يشاركها الآباء والأمّهات على الفضاء الرقميّ. هذا التراكم الرقميّ يستهدف إعداد سجلّ للذكريات العائليّة، ولكنّه يتسبّب في استخدام هويّة الأطفال في الاحتيال الإلكترونيّ، ما قد يؤثّر في حياة الطفل في المستقبل بشكل سلبيّ. التحدّيات الخفيّة لوجود هويّة رقميّة للأطفال تتعدّد التحدّيات المرتبطة بالهويّة الرقميّة للأطفال، ومنها: - استخدامها في الجريمة المنظّمة الرقميّة: لم تعد مشكلات الهويّة الرقميّة تقتصر على التنمّر أو التعرّض إلى الإحراج المستقبليّ، بل أصبحت جزءًا من منظومة إجراميّة منظّمة عابرة للحدود. فتجميع بيانات ملايين الأطفال يخلق هدفًا ثمينًا للقراصنة، قد تُباع ويُتلاعَب بها على الشبكة المظلمة. - تتحوّل الصورة البسيطة للطفل التي يشاركها الأب أو الأمّ إلى أداة للتلاعب، مثل صورة اليوم الأوّل في المدرسة، والتي على بساطتها قد تكشف موقع المنزل (من الخلفيّة أو العلامات)، والعادات اليوميّة (مثل وقت الذهاب إلى المدرسة)، وحتّى الإجابات المحتملة لأسئلة الأمان الخاصّة بحسابات الوالدين (مثل اسم الشارع الذي يقطنون فيه). وقد يستخدم المجرمون هذه المعلومات لإنشاء هويّات مزيّفة كاملة، أو لاستغلالها في عمليّات الاحتيال والابتزاز. - الاستنساخ بالذكاء الاصطناعيّ: قد تُسرق صور الأطفال وتُعرض على وسائل التواصل الاجتماعيّ. وتستطيع أدوات الذكاء الاصطناعيّ إنشاء نسخ مماثلة رقميّة من الأطفال، باستخدام عيّنة صوتيّة أو صورة واحدة فقط، ثمّ استخدامها لإيذاء الأسرة. - الاستهداف التسويقيّ: كلّ ما يُنشر عن الطفل من صور وفيديوهات يسهم في بناء هويّته الرقميّة منذ وقت مبكّر، ما يسمح بتتبّعه تسويقيًّا، وبناء صورة دقيقة عنه بوصفه مستهلكًا محتملًا مع تقدّمه في العمر. المسؤوليّة على مستوى الأسرة والفضاء الرقميّ تتطلّب التربية الرقميّة الواعية دورًا فاعلًا للأسرة، يتمثّل في الآتي: - المراقبة النشطة: تعني إدماج التربية الرقميّة في قاموس الأسرة، وتنمية الوعي لدى الطفل بالمخاطر المرتبطة بمشاركته في بناء هويّته الرقميّة، وذلك بمراقبة الوقت الذي يقضيه أمام الشاشات، وفهم طبيعة المحتوى الذي يتعرّض إليه، والتفاعلات التي يخوضها. كما أنّ مستوى وعي الأب والأمّ بما يشاركانه عن طفلهما، ومشاركتهما في تجربة عالمه الرقميّ، يسهم في شعوره بالأمان وبناء الثقة. - الحوار المستمرّ: ويقوم على مناقشة التجارب الرقميّة التي يمرّ فيها الطفل، بما يتيح له فهم مشاعره والمواقف التي يتعرّض إليها، وتنمية مهارات التعاطف والتواصل، وبالتالي تطوير قدرة أكبر لديه على التمييز بين الواقع والعالم الافتراضيّ. - الحدود الواضحة: لا بدّ من وضع قواعد واضحة ومرنة تحافظ على التوازن بين الحريّة والانضباط. فالأطفال الذين ينشؤون في بيئة تضع حدودًا واضحة للتفاعل الرقميّ، يُظهرون سلوكيّات اجتماعيّة أكثر توازنًا، وقدرة أكبر على التحكّم في انفعالاتهم. تعزيز حماية البيانات الشخصيّة، وذلك في مواقع التواصل الاجتماعيّ وغيرها، عن طريق: - تعزيز إعدادات الخصوصيّة الافتراضيّة: أي تحويل الإعدادات الافتراضيّة إلى الاختيارات الأكثر أمانًا، بدلًا من جعل المستخدم يبحث عنها ويغيّرها بنفسه. - تطوير تقنيّات المصادقة متعدّدة الخطوات: وذلك لحماية حسابات الأطفال من الاختراق. - زيادة شفافيّة قواعد جمع البيانات: أي جعلها مفهومة للآباء والأمّهات والأطفال. توصيات عمليّة يجب على الآباء والأمّهات تثقيف أنفسهم لحماية أطفالهم، والحرص على القيام ببعض الخطوات الضروريّة، مثل: - المشاركة الخاصّة وليس العامّة بما يشمل: 1. استخدام تطبيقات المراسلة المشفّرة بدلًا من وسائل التواصل الاجتماعيّ العامّة. 2. إنشاء مجموعات عائليّة خاصّة لتبادل الصور والفيديوهات الخاصّة بأطفالهم. 3. التنبيه على الأقارب والأصدقاء بعدم مشاركة صور الأطفال. - تعزيز الأمان الرقميّ بما يشمل: 1. تعطيل خدمات تحديد الموقع عند التقاط الصور. 2. استخدام تقنيّات إخفاء الوجه عند مشاركة صور للعامّة. 3. المراجعة الدوريّة لإعدادات الخصوصيّة على مواقع التواصل الاجتماعيّ. - بناء وعي رقميّ عائليّ بما يشمل: 1. إشراك الأطفال في قرارات مشاركة الصور والفيديوهات. 2. تعليم الأطفال مفاهيم الخصوصيّة الرقميّة، بما يناسب أعمارهم. 3. تقديم بدائل جذّابة للأطفال تغنيهم عن التفاعل الرقميّ. - المراقبة الاستباقيّة بما يشمل: 1. البحث بشكل دوريّ عن اسم الطفل على الإنترنت، لمتابعة ما يستجدّ. 2. استخدام خدمات مراقبة الهويّة الرقميّة. 3. التحقّق من وجود خروقات لسلامة الحسابات. *** وختامًا نقول إنّ الهويّة الرقميّة للطفل لم تعد مجرّد بصمة عاديّة، بل أصبحت إرثًا رقميًّا قد يشكّل فرص الطفل في التعليم والعمل، وحتّى بناء العلاقات الشخصيّة في المستقبل، وحماية هذا الإرث تتطلّب وعيًا كبيرًا. فالطفل الذي ينشأ في عالم رقميّ يحتاج إلى أدوات تمكّنه من بناء هويّته الرقميّة بعناية، لتصبح إيجابيّة وآمنة، وهذا لا يعني منعه من استخدام التكنولوجيا، بل تمكينه من السيطرة عليها، كي يكون قادرًا على حماية حقّه في الخصوصيّة، وحرّيّته في بناء سرديّته الخاصّة، وفي تشكيل شخصيّته الواقعيّة والرقميّة. ويكمن التحدّي الكبير في الموازنة بين خلق جيل جديد قادر على الاستفادة من إيجابيّات العالم الرقميّ، وتجنّب أخطار هذا العالم، جيل يستطيع بناء هويّته الرقميّة بوعي، وحماية خصوصيّته بمسؤوليّة، ويشارك بإيجابيّة في تشكيل مستقبله الرقميّ. وتتمثّل نقطة البداية في وعي الآباء والأمّهات، كونهم من يضعون حجر الأساس في تشكيل هذه الهويّة. المصادر - https://www.go.com.mt/blogs/how-to-protect-your-childs-digital-identity/ - https://www.bitdefender.com/en-au/blog/hotforsecurity/the-impact-of-sharenting-how-the-digital-identity-you-create-for-your-child-today-could-affect-their-future https://3qool.net/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%81%D9%84%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%84- %D8%B9%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%20%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%91%D9%84%D8%A7%D8%AA%20%D9%81%D9%8A%20%D9%84%D8%BA%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%84%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%88%D9%83 https://alarabinuk.com/%D8%AE%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D8%AD%D8%B0%D9%91%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A3/

إيجابيّات وسلبيّات تطبيقات مراقبة الأبناء

مثلما تطوّر الهاتف من مجرّد وسيلة للاتّصال إلى هاتف ذكيّ يحوي عالمًا متشابكًا، فإنّ هاتف الأب والأمّ تحوّل بالتبعيّة إلى لوحة تحكّم شبه كاملة، يحاولون بواسطتها متابعة حياة أطفالهم، وتوفير طبقة حماية افتراضيّة في عالم يحمل لهم تهديدات تتزايد كلّ يوم. هذا التحوّل تجسّد في بروز ظاهرة تطبيقات مراقبة الأبناء، والتي غزت مختلف دول العالم، حاملةً معها العديد من المزايا، مثل الاطمئنان المستمرّ على الأطفال، بجانب العديد أيضًا من الإشكاليّات المعقّدة، خصوصًا في ما يتعلّق بالحدود بين الحماية والخصوصيّة، وطبيعة العلاقات الأسريّة في العصر الرقميّ. المتابعة البسيطة أم المراقبة الشاملة للأطفال؟ شهد مفهوم الرقابة الأسريّة تحوّلًا جذريًّا في السنوات الأخيرة، إذ انتقل من مجرّد السؤال التقليديّ للطفل: "أين كنت؟" وصولًا إلى المراقبة المستمرّة بواسطة أنظمة تحديد المواقع. مع العلم أنّ هذه التطبيقات لم تعد تقتصر على رصد موقع الطفل، بل توسّعت لتشمل مراقبة قيادة السيّارة، وتتبّع النفقات، وفحص الرسائل، بل وحتّى القيام بالتسجيل الصوتيّ عن بُعد. وفي ما يتعلّق بهذه التطبيقات، يمكننا في أبسط تعريف أن نقسّمها إلى نوعَين أساسيَّين: الأوّل: تطبيقات التتبّع البسيطة التي تسمح للآباء والأمّهات بمعرفة مكان أطفالهم في الوقت الحقيقيّ. الثاني: تطبيقات المراقبة الشاملة التي تسمح بجمع بيانات غير محدودة من الهواتف المتّصلة بها، مثل مدّة النظر إلى الشاشة، وإدارة تطبيقات هاتف الطفل، وإدارة ما يشاهده على الإنترنت، وتأمين حساباته على المواقع المختلفة، وتلقّي إشعارات عن أنشطة الطفل على هاتفه. ويصل المدى الواسع من التحكّم الذي تتيحه بعض هذه التطبيقات، إلى حدّ السماح للوالدين بتشغيل الميكروفون المدمج في هواتف أطفالهم عن بعد، كما أنّ بعض التطبيقات تذكر صراحة ضمن مميّزاتها أنّها تحتوي على وضع التخفّي الذي يمنع الطفل من معرفة من يتابعه. عوامل انتشار تطبيقات مراقبة الأطفال يمكننا أن نعزو الانتشار الكبير لهذه التطبيقات إلى العديد من العوامل، منها على سبيل المثال: 1. تأثّر غريزة الحماية بالإعلام: قد يكون اعتماد الآباء والأمّهات الكبير على تطبيقات المراقبة والتتبّع ردّ فعل عاطفيّ ومفهوم، على الأخبار والقصص التي تُعرض باستمرار حول ما يُطلق عليه الأخطار الجسيمة التي يتعرّض إليها أطفالنا. وهنا نشير إلى أنّ العرض الدائم لهذه الأخبار، مع كونها حقيقيّة، يخلق حالة من هذا الخوف المُستدام على الأطفال، يغذّي الحاجة إلى حلول فوريّة، تجعل الأب والأمّ يشعران بالأمان على أطفالهما. 2. تعقيد الحياة العصريّة: تمثّل هذه التطبيقات حلًّا مثاليًّا لتنظيم الفوضى في البيوت، وذلك مع ازدياد انشغال الآباء والأمّهات، وتشعّب جداول المواعيد، وتعدّد الأنشطة المطلوبة، فهي تتيح البقاء على اطّلاع بالتقويمات، والتذكير بالمواعيد الهامّة، وتتبّع النفقات، وتخزين السجلّات الطبّيّة والمستندات المهمّة لاسترجاعها بسرعة عند الحاجة. 3. تغيّر النموذج التربويّ: نعيش حاليًّا في عصر أصبحت فيه الشاشات نافذة الأطفال الرئيسيّة على العالم، ما يُشعر الآباء والأمّهات بالحاجة إلى أدوات للتكيّف مع هذا الواقع الجديد. فإذا كان الطفل يقضي وقتًا طويلًا أمام الشاشات، فإنّهما يريان أنّ المراقبة المستمرّة للتفاعلات الرقميّة، أصبحت امتدادًا طبيعيًّا وضروريًّا لدورهما التربويّ. إيجابيّات تطبيقات مراقبة الأبناء يؤكّد مؤيّدو هذه التطبيقات أنّها أدوات ضروريّة في عالم خطير، فهي تقدّم المميّزات الآتية: - توفير راحة بال حقيقيّة للوالدَين في ما يخصّ سلامة أطفالهم. - تسهم في تنظيم الحياة المعقّدة للأسر، إذ يفرض انشغال كلّ من الأب والأمّ بعملهما تقلّص الوقت المخصّص للطفل. - تعدّ وسيلة عمليّة للتربية المشتركة في حالات انفصال الأب والأمّ. - توفّر بيانات عن حالات واقعيّة استخدم فيها الآباء والأمّهات تطبيقات المراقبة والتتبّع، لمعرفة مكان أطفال ومراهقين تعرّضوا لحوادث، منها حالات اختطاف. سلبيّات تطبيقات مراقبة الأبناء يشير معارضو هذه التطبيقات إلى أنّها توفّر أمانًا وهميًّا، وتعيق النموّ الصحّيّ للطفل، وتتسبّب في مضارّ مثل: - مع كون المراقبة المستمرّة تعطي شعورًا زائفًا بالأمان لدى الأب والأمّ، فإنّها تقوّض استقلاليّة الطفل وقدرته على مواجهة التحدّيات المختلفة. - تهدّد حقّ الطفل في الخصوصيّة، والذي يعتبر أساسيًّا لنموّه الصحّيّ. - كما أنّه لا توجد أدلّة واضحة على أنّ أيًّا من هذه التطبيقات يحافظ على أمان الأطفال بشكل مباشر. التداعيات النفسيّة والتربويّة وهنا نتعمّق قليلًا في الجوانب الخفيّة لتطبيقات مراقبة الأبناء التي يغفلها الآباء والأمّهات، والتي قد لا تظهر تأثيراتها إلّا على المدى الطويل، نذكر منها: - تآكل الثقة المتبادلة: من أهمّ عناصر التطوّر الطبيعيّ للطفل أن يتعلّم أن يثق بوالده ووالدته، وأن يثقا به. وبالتالي، فالاعتماد على تطبيقات المراقبة الخفيّة يقوّض هذه المنظومة، وقد يدفع الأطفال إلى إخفاء بعض الأمور عن الوالدَين، والبحث عن طرق أكثر ذكاءً للهروب من هذه المراقبة. - إعاقة تشكيل المسؤوليّة: عندما يتعوّد الأبناء أنّ المراقبة الخارجيّة تمثّل الضابط الأساس لسلوكهم، ستحدث إعاقة لعمليّة تطوير الضمير الداخليّ والقدرة على تحمّل المسؤوليّة، ما قد يؤخّر نضجهم النفسيّ والاجتماعيّ. - تغيّر العلاقة الأسريّة: تحوّل تطبيقات مراقبة الأبناء العلاقة بين الوالدَين والطفل من الثقة والحوار إلى الرقابة والشكّ. كما إنّ مشاركة البيانات الخاصّة على منصّات خارجيّة تثير تساؤلات حول حدود الخصوصيّة والأمان الرقميّ. - إهمال السياق: يجب أن يعرف كلّ أب وأمّ أنّ معرفة موقع أبنائهما باستمرار لا تعني بالضرورة معرفة ما يحدث معهم. فقد يكونان على علم بأنّ الطفل في المدرسة الآن، ولكنّهما لن يعرفا إذا كان يتعرّض إلى التنمّر أو يواجه صعوبات دراسيّة مثلًا. الاستخدام الرشيد لتطبيقات مراقبة الأبناء مع هذا القدر من التعقيد، والتحدّيات التي تحملها هذه التطبيقات، تبرز الحاجة إلى وضع قواعد واضحة يمكن بها استخدام هذه الأدوات الرقميّة، من دون التضحية بالقيم التربويّة الأساسيّة، ومنها: - الحرص على الشفافيّة والحوار: يجب أن يتحدّث الآباء والأمّهات مع أطفالهم بشأن استخدام مثل هذه التطبيقات؛ فمعرفة الطفل ما يقوم به والداه يجعل التطبيق إمّا أداة تربية وتقويم سلوك، وإمّا أداة قهر وتدمير للطفل، أي الاختيار بين بناء الثقة وتدميرها. - التدرّج والتكيّف مع نموّ الطفل: يجب تعديل استخدام التطبيقات مع تقدّم الأطفال في العمر، فالمراقبة المطلوبة للمراهق تختلف عن المراقبة المطلوبة لطفل صغير، أمّا مع اقتراب انتهاء هاتَين المرحلتَين، فإنّ المراقبة قد لا تكون ضروريّة. - الموازنة بين التطبيقات والأبوّة والأمومة: يجب أن تظلّ هذه التطبيقات أدوات مساعدة وليست بديلًا عن التواصل الإنسانيّ، فتجب معرفة متى يجب وضع الهاتف جانبًا، وممارسة الدور الأبويّ والأموميّ المباشر. - احترام الخصوصيّة: يجب أن يوازن الأب والأمّ بين الحماية والخصوصيّة، مع إدراك أنّ للطفل الحقّ في مساحة خاصّة، خصوصًا مع نموّه. *** في النهاية، لا يمكن القطع بأنّ هذه التطبيقات جيّدة أو سيّئة بشكل مطلق، إنّما نقول إنّها أدوات قويّة قد تساعد في عمليّة التربية، وقد تزيد من تعقيدها. والذكاء في عدم رفضها أو تبنّيها بشكل كامل، بل في فهم تداعياتها واستخدامها بطريقة واعية، تحقّق التوازن بين السلامة الجسديّة والنفسيّة للطفل، وبين حمايته واستقلاليّته، وبين مراقبته والثقة به. وتبقى العلاقات الأسريّة الصحّيّة المبنيّة على الثقة والحوار والمصارحة، الضمان الحقيقيّ لسلامة الأبناء، وتبقى التطبيقات مجرّد أدوات مساعدة في الرحلة التربويّة الفريدة. المصادر - https://www.bbc.com/arabic/vert-cap-59161801 - https://www.bgmrlaw.com/blog/2022/06/pros-and-cons-of-co-parenting-apps/ - https://www.magicmum.com/parenting-apps-the-pros-and-cons/

إدمان الأجهزة الذكيّة: متى أمنع طفلي من الإفراط في الاستخدام، وكيف؟

شكّلت الأجهزة الذكيّة ثورة في حياتنا، مقدّمةً عالمًا من المعرفة والترفيه بلمسة زرّ واحدة. لكنّ هذا العالم الساحر يحمل في طيّاته خطرًا خفيًّا يهدّد الجيل الجديد: خطر الإفراط في الاستخدام، والذي يمكن أن يتطوّر ليصبح إدمان الأجهزة الذكيّة. وبينما لا يمكن عزل الأطفال عن التكنولوجيا في عصرنا، يتمثّل التحدّي الأكبر للآباء في متى يتدخّلون، وكيف يضعون حدودًا فعّالة من دون إثارة صراعات لا نهاية لها. يهدف هذا المقال إلى توفير إجابات عمليّة للسؤالَين المحوريَّين: متى يجب أن أمنع طفلي عن الأجهزة الذكيّة؟ وكيف يمكنني تنظيم استخدامها للأطفال بطريقة حكيمة وفعّالة، تضمن لهم النموّ المتوازن. ثنائيّة التكنولوجيا بين المنفعة وخطر إدمان الأجهزة الذكيّة لا تقتصر الأجهزة الذكيّة على الترفيه، بل إنّها أدوات تعليميّة قويّة ومصدر للمعلومات. ولكن عندما يتحوّل الاستخدام من أداة إلى حاجة ملحّة، نكون قد دخلنا منطقة الخطر. يؤثّر الإفراط في التعرّض إلى الشاشات سلبًا في النموّ العقليّ واللغويّ، ويقلّل من فرص التفاعل الاجتماعيّ المباشر الذي يُعدّ أساسيًّا لتكوين المهارات العاطفيّة والاجتماعيّة. ويتطلّب التعامل مع الأجهزة الذكيّة للأطفال وعيًا عميقًا بخطوط الفصل بين الاستخدام الصحّيّ والإفراط الضارّ. متى يصبح استخدام الأجهزة الذكيّة للأطفال إفراطًا أو إدمانًا؟ (علامات الخطر) يصبح تدخّل الوالدَين ضروريًّا عندما يبدأ استخدام الأجهزة بالسيطرة على حياة الطفل، والتعارض مع الأنشطة الأساسيّة. إليك أبرز علامات الخطر التي تشير إلى ضرورة منع طفلك من الإفراط: - السلوك العدوانيّ أو نوبات الغضب: ظهور ردود فعل عنيفة أو بكاء شديد عند محاولة سحب الجهاز أو إيقاف الاستخدام. - التدهور الأكاديميّ: انخفاض ملحوظ في التركيز والتحصيل الدراسيّ بسبب التفكير المستمرّ في الأجهزة. - العزلة الاجتماعيّة: تفضيل اللعب على الجهاز على التفاعل مع الأصدقاء، أو المشاركة في الأنشطة العائليّة. - مشكلات في النوم: السهر لوقت متأخّر، أو صعوبة في الخلود للنوم بسبب التحفيز المفرط الذي تسبّبه الشاشات. - الخمول البدنيّ: التخلّي عن الأنشطة الرياضيّة والألعاب الحركيّة لصالح الجلوس الطويل أمام الشاشة. - الكذب والإخفاء: محاولة إخفاء استخدام الجهاز، أو الكذب بشأن المدّة الزمنيّة التي قضاها الطفل عليه. ٧ استراتيجيّات للحدّ من استخدام الطفل للأجهزة الذكيّة الاستراتيجيّة الأولى: الاتّفاق على "ميثاق العائلة" لتنظيم استخدام الأجهزة الذكيّة للأطفال يجب أن تكون القواعد المتعلّقة بالشاشات واضحة وموثّقة ومتّفق عليها من قبل جميع أفراد الأسرة. يجب على الوالدَين الجلوس مع الطفل (حسب عمره)، ووضع "ميثاق عائليّ" يحدّد: 1. مناطق حظر الاستخدام: مثل طاولة الطعام وغرف النوم والسيّارة وأثناء التحدّث. 2. أوقات الحظر: قبل ساعة من النوم، وأثناء أوقات الواجبات المدرسيّة. 3. العواقب: ما الإجراءات المتّبعة عند تجاوز الميثاق، وكيفيّة استعادة الامتياز. يرسّخ هذا الميثاق فكرة أنّ الأجهزة الذكيّة للأطفال تمثّل امتيازًا، وليست حقًّا مطلقًا. الاستراتيجيّة الثانية: فنّ الفصل بين الاستخدام التعليميّ والاستخدام الترفيهيّ لا يجب التعامل مع وقت الشاشة كلّه على أنّه شرّ مطلق. يمكن التسامح مع الاستخدام التعليميّ (مثل تطبيقات تعلّم اللغات أو البرمجة)، ووضعه في خانة "الوقت المنتج"، بينما يتمّ تقييد الاستخدام الترفيهيّ (الألعاب ومشاهدة الفيديوهات العشوائيّة) بشكل صارم. تشجيع الطفل على المحتوى الهادف يساعد في بناء علاقة صحّيّة مع التكنولوجيا، ويقلّل من خطر إدمان الأجهزة الذكيّة التي تعتمد على التحفيز السريع. الاستراتيجيّة الثالثة: أهمّيّة "وقت الاستبدال" لتجنّب إدمان الأجهزة الذكيّة المنع وحده يخلق فراغًا ومقاومة. بدلًا من مجرّد سحب الجهاز، يجب توفير بدائل جذّابة تملأ وقت الطفل، وهو ما يُسمّى "وقت الاستبدال"، إذ يجب تشجيع الأنشطة غير الرقميّة بشكل فعّال، مثل: - قضاء وقت مخصّص للقراءة المشتركة. - ممارسة الأنشطة البدنيّة والرياضة في الهواء الطلق. - المشاركة في الأنشطة العائليّة، مثل الطبخ أو الألعاب اللوحيّة. بمجرّد أن يجد الطفل متعة في هذه البدائل، تقلّ حاجته بشكل طبيعيّ إلى الشاشة، ما يُسهّل عمليّة تنظيم استخدام الأجهزة الذكيّة لديه. الاستراتيجيّة الرابعة: دور الوالدَين بصفتهم "قدوة" في التعامل مع الأجهزة الذكيّة لا يمكن أن ينجح الوالدان في منع طفلهما من الإفراط، وهما يقضيان ساعات طويلة على هاتفيهما. الأطفال يراقبون ويقلّدون، لذا يجب على الوالدَين أن يطبّقا قواعد الميثاق العائليّ على نفسيهما، مثل وضع الهواتف جانبًا أثناء الوجبات والمحادثات العائليّة. هذا السلوك يرسّخ مصداقيّة القواعد، ويجعل الطفل أكثر تقبّلًا لها. الاستراتيجيّة الخامسة: التدرّج في تطبيق الحظر وتجنّب المنع المفاجئ إذا كان الطفل مدمنًا بالفعل، فإنّ سحب الجهاز بشكل مفاجئ سيؤدّي إلى نوبات غضب ومقاومة عنيفة. يجب اتّباع خطّة تدريجيّة لتقليل وقت الشاشة يوميًّا (على سبيل المثال: خفض وقت الشاشة 15 دقيقة كلّ أسبوع). هذا التدرّج يمنح الطفل وقتًا للتكيّف العقليّ والسلوكيّ مع التغيير، ويساعد في كسر حلقة إدمان الأجهزة الذكيّة بأقلّ قدر من الصراع. الاستراتيجيّة السادسة: استخدام أدوات الرقابة الأبويّة الذكيّة يمكن للتكنولوجيا أن تكون جزءًا من الحلّ. هناك العديد من التطبيقات وأدوات التحكّم الأبويّة التي تسمح للوالدَين بتحديد فترات زمنيّة دقيقة لاستخدام تطبيقات معيّنة، وحظر المحتوى غير المناسب تلقائيًّا. هذه الأدوات تعمل شريكًا حازمًا ومحايدًا لتنفيذ القواعد المتّفق عليها في ميثاق العائلة. الاستراتيجيّة السابعة: استشارة المختصّين متى تجاوز إدمان الأجهزة الذكيّة السيطرة إذا أثّر الإفراط بشكل خطير في الحالة النفسيّة للطفل، أو أدّى إلى عزلة تامّة واكتئاب، أو فشل الآباء في تطبيق أيّ من الاستراتيجيّات السابقة، يصبح طلب المساعدة من طبيب نفسيّ أو مستشار سلوكيّ متخصّص في الأجهزة الذكيّة للأطفال أمرًا ضروريًّا. *** يتطلّب التعامل مع إدمان الأجهزة الذكيّة توازنًا دقيقًا بين الحزم والحبّ، وبين المنع وتقديم البدائل. بتطبيق هذه الاستراتيجيّات السبع، يمكن للوالدَين أن يتحوّلا من مراقبَين إلى موجّهَين، يساعدان أطفالهما في بناء علاقة صحّيّة ومثمرة مع التكنولوجيا، تضمن لهم النموّ السليم والمشاركة الفعّالة في العالم الحقيقيّ. المراجع https://www.smartone.com/en/mobile-service-plans/network-for-kids/Tips-to-Help-Break-Phone-Addiction.jsp https://www.helpguide.org/mental-health/addiction/smartphone-addiction https://www.mayoclinic.org/healthy-lifestyle/childrens-health/in-depth/screen-time/art-20047952#:~:text=Encourage%20unplugged%2C%20unstructured%20playtime.,screens%20one%20hour%20before%20bedtime.