المجالس التربويّة القياديّة: رؤية جديدة لقيادة المؤسّسة التربويّة وتحقيق النجاح المدرسيّ
المجالس التربويّة القياديّة: رؤية جديدة لقيادة المؤسّسة التربويّة وتحقيق النجاح المدرسيّ
2024/07/07
عبد الله بن ناصر الرسمي | مشرف تربويّ، وباحث في مجال المدرسة المجتمعيّة والقيادة التربويّة- اليمن

يشهد العالم تطوّرات في مختلف المجالات، أدّت إلى تغيّرات وتحدّيات في جميع نُظُم الحياة السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والتربويّة. لذا، كان لزامًا إعادة النظر في تلك التحوّلات، واتّخاذ قرار الإصلاح والبناء بما يلبّي حاجة المجتمع، ويتلاءم وتغيّراته. 

يمثّل التعليم الركيزة الأساسيّة في عمليّة الإصلاح والبناء ومواجهة التغيّرات. وتأتي الجدوى من التعليم بتكامُل العمليّتين التعليميّة والتربويّة؛ فتتواصل ضمنها الجوانب الروحيّة والفكريّة والعقليّة والبدنيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة. وكذلك، عندما يُفتح المجال أمام قيادة مؤسّسات التربية وأعضائها، للمُشاركة في صناعة القرار التربويّ وتنفيذه. وعلى النقيض، فإنّ التعليم يفقد معناه وقيمته عندما يكون جامدًا قائمًا على الإملاءات. لذا، لم يعد مقبولًا أن تبقى سياساتنا التربويّة جامدة من دون إصلاح وتطوير، إضافة إلى ضرورة بناء مؤسّسة تربويّة تنهض بالفرد والمجتمع، يقوم عليها مجلس يستثمر الطاقات التربويّة والمجتمعيّة لبناء الأجيال وخدمة المجتمع.

إنّ العمليّة التربويّة مجموعة من العمليّات التي يتمّ بمقتضاها تهيئة الإمكانات المادّيّة والبشريّة، وتوظيفها واستثمارها وتنسيقها وتوجيهها لتحقيق أهداف التربية والتعليم. ومن الضروريّ وجود قيادة تربويّة رشيدة وحكيمة لمؤسّسة التربية ولعمليّة التخطيط والإشراف باعتبارها الرأس المفكّر والعقل المدبّر، والتي تستطيع المؤسّسة التعليميّة من خلالها رسم سياستها لتحقيق الاستفادة الكاملة من مواردها وإمكاناتها المادّيّة والبشريّة، من أجل التطوير المستمرّ لمستوى العمليّة التعليميّة، وتحسين مستوى الأداء المدرسيّ والمخرجات. 

 

مقومات نجاح المدرسة 

يمكن تلخيص أبرز مقومات نجاح المدرسة في النقاط الآتية:

  • - قائد تربويّ: رأس مفكّر وعقل مدبّر وقائد مسؤول.
  • - مجلس تربويّ: يضمّ قيادة ومعلّمي المدرسة وممثلّي المجتمع، لصناعة القرارات وتنفيذها.
  • - رؤية ورسالة وأهداف تربويّة.
  • - خطّة دقيقة: من الواقع والإمكانات المتاحة.
  • - ميزانيّة ماليّة: من موارد متعدّدة يشارك المجتمع فيها.

 

وباعتقادي، تُعنى الخطط التربويّة بالإجابة عن السؤال:
هل الخطط والبرامج الموضوعة والنشاطات المقترحة تساعدنا في تحقيق الهدف الرئيس الذي وضعت لأجله؟
هذا الهدف الذي يتمّ من خلال الإجابة عن الأسئلة الآتية:

  • - ما الغاية من وجود المدرسة؟
  • - لمن وجدت المدرسة؟ ومن المستفيد منها؟
  • - ما القيم التي تحاول المدرسة تعزيزها؟
  • - ما الرسالة التي تسعى المدرسة لتحقيقها؟
  • - ما متطلّبات تنفيذ الأهداف التي تسعى المدرسة لتحقيقها؟

 

من هُنا، المدرسة الناجحة هي التي يقودها قائد تربويّ مؤهّل، ومجلس تربويّ يخطّط لمستقبلها من خلال مشاركة هيئتها التدريسيّة والمستفيدين منها لتبني خطّة تربويّة شاملة، تتضح فيها رؤية المدرسة ورسالتها، من خلال ربط الأهداف المنشودة بمجموعة من الإجراءات، مقترنة بمعايير قياس مستوى الأداء للوصول إلى ما تسعى له من مستوى أداء متميّز، وتحقيق الجودة في المخرجات. 

وتتجلّى أهمّيّة القيادة بإشراكها كلّ عضو تربويّ في المدرسة في عمليّة وضع الخطط، ذلك بما يحافظ على نواحي النجاح التي أثبتت الخطط السابقة فاعليتها، ووجود الكادر المؤهّل في المجلس الذي تبناها. وبالتالي، ينظر هذا المجلس في نواحي القصور والضعف والإخفاق، ويضع لها برامج علاجيّة ويرسم خططها للمراحل القادمة. وغالبًا ما يشوب الرؤية والقرارات الانفراديّة القصور، نتيجة الظروف النفسيّة أو المادّيّة أو الاجتماعيّة، أو ضعف الإلمام المعرفيّ والإداريّ، أو سيطرة المصالح الشخصيّة وحبّ الاستحواذ، أو القصور الذي لا يسلم منه أيّ إنسان.

وممّا سبق، تتبيّن أهمّيّة تمتّع المدرسة بمجلس تربويّ وقيادة تَشاركيّة في القرار تتمتّع بقيم العمل الجماعيّ، إذ تُشارك الأطراف المتعلّقة بالعمليّتين التربويّة والتعليميّة في رسم الخطط والبرامج التربويّة، وهذه الأطراف هي: المعلّمون والمعلّمات والطلّاب وأولياء الأمور وممثّلو المجتمع المحلّيّ.

وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إنّ الإدارة المرتكزة على المدرسة أصبحت تمثّل أكبر حركة إصلاحيّة للتعليم، واعتبرتها العديد من الدراسات من أهمّ الاستراتيجيّات الهادفة لتحسين التعليم وتجويد مخرجاته، وتحقيق اللامركزيّة في التعليم، وصنع القرار من خلال إشراك المجتمع المحلّيّ والمدرسيّ، وزيادة استقلال المدارس وإدارتها ذاتيًّا، وتحسين الأداء التعليميّ للطلبة والاستجابة لاحتياجات المجتمع المحلّيّ.

 

المجالس القياديّة التربويّة 

تمكن قيادة عمليّة التربية والتعليم وتسييرها على مستوى المدرسة من خلال مجلس تربويّ يتأسّس ويعمل وفق الإجراءات الآتية:  

1. يشكَّل على صعيد كلّ مدرسة مجلس تربويّ يسمّى "مجلس القيادة التربويّ"، يمثّل فيه جميع أعضاء الإدارة وهيئة التدريس من المعلّمين والمعلّمات، وممثّلين عن الآباء والأمّهات، وممثّلين عن بعض مؤسّسات المجتمع في مجالات الدعم المادّيّ أو الفنّيّ، وتكون من أبرز مهامه:

  • - تدبير الشؤون التربويّة والماليّة والإداريّة، والمشاركة في إعداد مقرّرات المدرسة وبرامجها وأنشطتها، وتنظيم مواقيت الدراسة واستعمالات الزمن، وتوزيع مهام المعلّمين، والإسهام في التقويم الدوريّ للأداء التربويّ وللوضعيّة المادّيّة للمؤسّسة وتجهيزاتها والمناخ التربويّ فيها. 
  • - اقتراح الحلول للمشكلات ورفع مستوى المدرسة وإشعاعها داخل محيطها. 
  • - عملًا بمبدأ التنافي بين دوري الطرف والحكم، لا يسمح لعضو تربويّ في المدرسة بتمثيل جمعيّة الآباء في مجلس قيادة المؤسّسة التي يمارس فيها. 
  • - يعدّ للمدرسة ميزانيّة للتسيير والصيانة والأنشطة، ويقوم قائد المجلس بصرفها تحت إشراف المجلس التربويّ للمدرسة وموافقته.

2. تمنح تدريجيًّا المجالس القياديّة التربويّة صلاحيّة تسيير العمليّة التربويّة بطريقة مستقلّة للوصول إلى "نظام الإدارة الذاتيّة للمدرسة". وتتّخذ الإجراءات الآتية: 

  • - ينتخب أعضاء هيئة التدريس والإدارة قائدًا للمجلس التربويّ لمدّة أربع سنوات قابلة للتجديد مرّة واحدة، بعد نداء مفتوح على الترشيحات التي تدرسها لجنة من المجلس التربويّ للمدرسة، بحضور مكتب التربية في المديريّة. وترفع المدرسة ثلاثة ترشيحات أو أكثر وفق ما تحدّده اللوائح المنظّمة في التعيين في المناصب العليا للمجالس التربويّة. ويتمّ الاختيار بالتصويت السرّيّ المباشر من التربويّين على مستوى المدرسة، ويسمح للمعلّمين والهيئة التربويّة في المدرسة فقط بحقّ الترشّح والتصويت، على أن تكون هناك خطوات لاحقة توسّع التصويت في اختيار قيادة المجلس وأعضائه. 
  • - يعيّن وكلاء المدرسة ورؤساء الأقسام ونظراءهم حسب المسطرة نفسها المشار إليها أعلاه، علمًا أن الترشيحات تدرس من قبل أعضاء المدرسة.  
  • - يمكن أن يضمّ مجلس القيادة التربويّ ممثّلين عن الطلّاب كلّما توافرت الشروط التي يضعها المجلس لذلك، وتبعًا للمقاييس التي يعتمدها في اختيار هؤلاء الممثلّين.